بينما يتوافد قادة العالم وأقطاب المال إلى منتدى دافوس محاطين بالثلج والطائرات الخاصة، تتزايد التحذيرات بأن هذا التجمع، الذي يُفترض أنه يناقش "شكل الاقتصاد العالمي"، أصبح مسرحا لتوسيع فجوة اللامساواة لا تقليصها، وفق ما تكشفه تقارير أوكسفام الدولية ومنصات إعلامية مختلفة.
فمن ثروات المليارديرات التي تحلّق إلى مستويات غير مسبوقة، إلى النفوذ السياسي الذي تمنحه لهم هذه الثروات، يتأكد عاما بعد عام أن دافوس لم يعد ساحة لإيجاد حلول، بل منصة لترسيخ نظام اقتصادي يُمكّن الأغنياء ويُهمّش الفقراء حول العالم، بحسب ما أشارت إليه عدد من التقارير.

ثروات المليارديرات تقفز.. والفقراء في المكان نفسه
كشفت منظمة أوكسفام في تقريرها السنوي، الصادر بالتزامن مع افتتاح منتدى دافوس، أن عدد المليارديرات حول العالم يواصل الارتفاع، وأن ثرواتهم نمت بنسبة 80% منذ عام 2020 بعد احتساب التضخم، بينما يعيش نحو نصف سكان العالم في الفقر.
وتشير الأرقام إلى أن نحو 3 آلاف ملياردير يمتلكون 18.3 تريليون دولار، وأن أغنى 12 شخصا يملكون ثروة تفوق ما يملكه أفقر نصف سكان العالم، أي أكثر من أربعة مليارات إنسان. وتذكر أوكسفام أن إيلون ماسك، أغنى رجال العالم، يجني في 4 ثوان ما يكسبه الإنسان العادي في عام كامل. كما يكسب المليارديرات ما متوسطه 6 آلاف دولار خلال غفوة قصيرة مدتها 20 دقيقة، و145 ألف دولار خلال نوم ليلة مدتها 8 ساعات.

وفي كندا وحدها، توضح أوكسفام كندا أن ثروات المليارديرات ازدادت في 2024 بنحو 309 ملايين دولار يوميا، في وقت يعيش فيه 3.8 ملايين كندي تحت خط الفقر. وهو ما تعتبره المنظمة نتيجة مباشرة لـ"خيارات سياسية" تُفضّل الأغنياء على دافعي الضرائب والطبقات العاملة.
وتؤكد المنظمة أن هذه الفجوة ليست قدرا طبيعيا بل نتاج سياسات ضريبية ومالية تُصاغ بما يخدم مصالح الشركات الكبرى والنخب الثرية، بينما تُترك الأغلبية لمواجهة تضخم الأسعار وركود الأجور.
دافوس.. نادي نخبة مغلق يميل نحو توسيع الفجوة
رغم أن المنتدى الاقتصادي العالمي يقدّم نفسه بوصفه مساحة للحلول والتعاون، فإن التقارير تبين أن دافوس بات "نادي نخبة" يحتكر القرار العالمي ولا يعكس مصالح الشعوب.
تشير أورونيوز إلى أن دافوس يستقبل أكثر من 3 آلاف مشارك منهم 60 رئيس دولة، في أجواء من الرفاهية المفرطة، حيث يصل سعر الليلة الفندقية إلى 3 آلاف يورو، والشاليهات إلى 200 ألف يورو في الأسبوع.
ويوثّق تقرير لفرنس 24 أن ثروات المليارديرات ارتفعت بقوة في العام الأول من ولاية ترامب الثانية، بنسبة 16.2%، نتيجة سياسات خفّضت الضرائب وقلّصت القيود لصالح الشركات الكبرى. ويشير التقرير إلى أن هذا المال بات يُستخدم لشراء النفوذ السياسي، سواء عبر امتلاك وسائل الإعلام أو التأثير في القرارات الحكومية.

أما تاريخ دافوس نفسه، كما يشرحه تقرير لصحيفة فاينانشال تايمز، فيكشف أن المنتجع بُني حول فكرة استقطاب الأثرياء منذ بدايات القرن الماضي، وأن المنتدى الذي بدأ في 1971 كمؤتمر إداري صغير تحوّل إلى مركز نفوذ عالمي يخدم رؤوس الأموال.
فضائح وقيادة مرتبكة.. والهوة تتسع
في السنوات الأخيرة، شهد المنتدى سلسلة أزمات مست مصداقيته، إذ كشف تقرير سابق لصحيفة فاينانشال تايمز أن مؤسس المنتدى كلاوس شواب، البالغ 87 عاما، خضع لتحقيق داخلي واسع حول ما إذا كان قد حول المنتدى الاقتصادي العالمي إلى "إقطاعية خاصة" و"مصدر دخل شخصي" له ولزوجته هيلدي.
وخلص التحقيق، وفق الوثيقة ذاتها، إلى عدم ثبوت أي سوء سلوك جنائي. غير أن التقرير أكد وجود مخالفات لافتة، منها مصاريف بلا مبررات تجارية واضحة، وتداخل بين الإنفاق الشخصي والمهني، ورسائل بريد إلكتروني محرجة، إضافة إلى ضعف في إدارة الأشخاص.
وبسبب هذه العاصفة التي ضربت صورة المنتدى، اضطرّت المؤسسة إلى تعيين لاري فينك، رئيس "بلاك روك"، وأندريه هوفمان نائب رئيس "روش"، كرئيسين مؤقتين لمجلس الإدارة بهدف إعادة ترميم الثقة داخل المنتدى وخارجه.

وتضيف تقارير أخرى من بلومبورغ أنّ صعود نفوذ فاعلين ماليين كبار على رأس المنتدى يعزز انطباعا بأن دافوس أصبح تحت سيطرة المؤسسات المالية العملاقة التي تستفيد من الهوة بين الأغنياء والفقراء.
كما تسلّط تقارير أخرى الضوء على التناقضات البيئية، فبينما يروّج المنتدى لـ"استدامة الاقتصاد"، يصل كثير من المشاركين إلى دافوس بطائرات خاصة، مع أنّ سويسرا مسؤولة عن 5% من انبعاثات الطائرات الخاصة في أوروبا، وفق تقرير من Greenpeace.
وتجمع تقارير أخرى، بينها أي بي سي نيوز ونيويورك تايمز، على أن الشعور العالمي بعدم المساواة يتفاقم، وأن قدرة الشعوب على تحمّل هذه الفجوات تتراجع، بينما لا يظهر أن قادة دافوس يسعون لتغيير فعلي.
وفي هذا السياق، تصرّ أوكسفام على تبنّي سياسات واضحة تشمل:
- فرض ضرائب مرتفعة على الثروة الفائقة.
- وضع خطط وطنية لتقليص اللامساواة.
- تشديد القيود على نفوذ المال في السياسة واللوبيات.
