رغم الضربات الأميركية الواسعة التي استهدفت البحرية الإيرانية ودمرت الجزء الأكبر من أسطولها النظامي، لا تزال طهران تحتفظ بورقة بحرية أكثر خطورة وتأثيراً: قوات الحرس الثوري البحري، التي تواصل فرض سيطرتها الفعلية على مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية للطاقة في العالم.
وبينما ركّزت الولايات المتحدة ضرباتها على السفن الحربية الكبيرة التابعة للبحرية الإيرانية، والتي كانت تُستخدم غالباً لأغراض رمزية، بقيت القوة الأكثر فاعلية بيد الحرس الثوري الإيراني، الذي يمتلك أسطولاً منفصلاً من القوارب السريعة الصغيرة المصممة خصيصاً لحرب المضائق، بحسب تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال.
القوة غير النظامية.. الأسطول الذي لم يُدمَّر
ويعتمد الحرس الثوري على تكتيك مختلف تماماً عن البحرية النظامية. فبدلاً من السفن الكبيرة، يستخدم قوارب سريعة ومراوغة مزودة بصواريخ وألغام بحرية، قادرة على استهداف السفن التجارية وتهديد الملاحة عبر أسلوب "التحرش البحري" والعمليات غير المباشرة.
ويقول فرزين نديمي، الباحث في معهد واشنطن لشؤون إيران، إن أكثر من 60% من هذه القوارب لا تزال سليمة وتعمل بكفاءة، ما يعني استمرار قدرتها على تهديد خطوط الملاحة الدولية.
وبحسب تقديرات ميدانية، فإن هذا الأسطول الصغير لكنه شديد الفاعلية ما زال يشكل العمود الفقري لقدرة إيران على التحكم بالمضيق، رغم الخسائر الكبيرة التي لحقت بالبحرية النظامية.
مضيق هرمز تحت الضغط
وفشلت الولايات المتحدة وإيران في التوصل إلى اتفاق يضع حدا للحرب في الشرق الأوسط، بحسب ما أعلن نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس الأحد بعد جولة مفاوضات صعبة في إسلام آباد، مضيفا أنه يغادر بعدما قدّم لطهران "العرض النهائي والأفضل".
ولا تزال الملاحة مضطربة في هذا الممر الاستراتيجي لنقل موارد الطاقة والتجارة العالمية، والذي يكاد يكون مشلولا منذ اندلاع الحرب، رغم أن إعادة فتحه كانت شرطا لوقف إطلاق النار.
وبعد اتفاق وقف إطلاق نار مؤقت بين واشنطن وطهران لمدة أسبوعين، مقابل السماح بفتح الممر البحري، حذرت إيران عبر الاتصالات البحرية من أن أي سفن تعبر دون إذن الحرس الثوري قد تتعرض للتدمير.
وخلال اليوم الأول من الهدنة، عبرت أربع سفن فقط المضيق، وهو أدنى معدل هذا الشهر، فيما أبلغت طهران الوسطاء بأنها تعتزم تقليص عدد السفن المسموح بمرورها إلى نحو اثنتي عشرة سفينة يومياً، مقارنة بأكثر من مئة قبل اندلاع الحرب.
لاحقاً، أصدرت إيران تحذيرات إضافية بشأن احتمال وجود ألغام بحرية في الممر الرئيسي، ودعت السفن إلى التنسيق مع الحرس الثوري لتحديد مسارات بديلة بمحاذاة الساحل الإيراني، في خطوة اعتُبرت أول مؤشر على احتمال استخدام الألغام فعلياً بعد تحذيرات أمريكية سابقة.
أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) السبت أن سفينتين حربيتين عبرتا مضيق هرمز لإزالة ألغام وضعتها إيران، وهو ما نفته طهران في الوقت الذي هدد فيه الحرس الثوري الإيراني بالتعامل "بحزم" مع السفن العسكرية التي تعبر الممر المائي الاستراتيجي.
تكتيك غير متكافئ
ويرى خبراء عسكريون أن إيران تعتمد بشكل متزايد على استراتيجية “الحرب غير المتكافئة”، التي لا تعتمد على التفوق البحري التقليدي، بل على إرباك الملاحة ورفع كلفة المرور في الممرات الحيوية.
ويقول ديفيد ديس روش، المسؤول السابق عن سياسات الخليج في وزارة الدفاع الأميركية، إن هذه الاستراتيجية "تعمل فعلاً على الأرض"، في إشارة إلى قدرتها على تعطيل حركة التجارة البحرية رغم التفوق العسكري الأميركي.
ضربات واسعة.. لكنها ليست حاسمة بالكامل
ورغم أن الضربات الأميركية قلصت من قدرات البحرية الإيرانية التقليدية، فإن الخبراء يؤكدون أن ذلك لا يحد من قدرة طهران على تهديد الملاحة، لأن الحرس الثوري هو الذي يتولى فعلياً إدارة "حرب المضائق".
القيادة المركزية الأميركية أعلنت أنها دمرت أكثر من 155 قطعة بحرية إيرانية منذ بداية العمليات، كما أظهرت صور الأقمار الصناعية ولقطات عسكرية حجم الدمار الذي طال الأسطول النظامي الإيراني، بما في ذلك فرقاطات وسفن متقدمة.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، إن الولايات المتحدة نفذت "أكبر عملية تدمير لبحرية دولة خلال فترة قصيرة منذ الحرب العالمية الثانية"، مضيفة أن واشنطن نجحت أيضاً في تقويض قدرة إيران على إنتاج أو إطلاق الصواريخ الباليستية.
خسائر كبيرة لم تحرق "الورقة الأخطر"
بحسب تقديرات شركة الاستخبارات البحرية "جينز"، فإن إيران فقدت جزءاً كبيراً من أسطولها النظامي، بما في ذلك معظم فرقاطاتها وغواصاتها، لكن الحرس الثوري لا يزال يحتفظ بقدرات بحرية غير متماثلة فعالة داخل المضائق الضيقة.
وتشير تقديرات خبراء إلى أن القوارب الصغيرة المنتشرة على نطاق واسع، والتي يصعب رصدها عبر الأقمار الصناعية، ما زالت تشكل تهديداً حقيقياً، خصوصاً مع وجود مخابئ تحت الأرض على طول الساحل الإيراني لتخزين هذه الزوارق.
ويقول خبراء بحريون إن القضاء على هذه القدرات بالكامل "سيتطلب وقتاً طويلاً"، نظراً لتوزعها وصعوبة استهدافها.
وتعود جذور هذه الاستراتيجية إلى تجربة إيران في أواخر الثمانينيات، عندما تعرض أسطولها لضربات قاسية خلال حرب الخليج الأولى، ما دفعها لاحقاً إلى تبني عقيدة عسكرية جديدة تقوم على تعطيل التجارة بدلاً من خوض معارك بحرية تقليدية.
ومنذ ذلك الحين، نفذ الحرس الثوري عشرات الهجمات على السفن التجارية في الخليج ومضيق هرمز، في إطار سياسة تهدف إلى التحكم بالممرات البحرية الحيوية دون الحاجة إلى تفوق بحري مباشر.
تشير بيانات مراكز مراقبة النزاعات إلى تنفيذ ما لا يقل عن 50 هجوماً بحرياً منذ أواخر فبراير، في مؤشر على استمرار التصعيد رغم العمليات العسكرية الأميركية.
كما بدأت إيران باستخدام زوارق مسيّرة مفخخة لاستهداف ناقلات النفط، وهو تكتيك مشابه لما استخدمه الحوثيون في البحر الأحمر، وفق تقديرات أمنية غربية.
وفي ظل هذه المعطيات، يرى محللون أن تدمير السفن الكبيرة لا يغيّر بشكل جوهري ميزان القوة في مضيق هرمز، حيث تبقى الكلمة الفصل للقوارب الصغيرة والألغام البحرية.





