لم تعد التحركات الإسرائيلية في جنوب سوريا تُقرأ أمميا باعتبارها مجرد عمليات أمنية عابرة على الحدود. ففي تطور لافت، وصفت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا الوجود الإسرائيلي داخل الأراضي السورية بأنه "احتلال حربي"، محذرة من أن بعض الممارسات، وخصوصا اعتقال مدنيين سوريين ونقلهم عبر الحدود، قد ترقى إلى "جرائم حرب".

وخلال إحاطة أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، قالت المفوضة فيونوالا ني أولين إن العمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب السوري أصبحت "متزايدة الاستمرار والترسخ"، مشيرة إلى تكرار التوغلات البرية والدوريات والمداهمات وعمليات التفتيش التي تؤثر بصورة مباشرة على السكان المدنيين.

من منطقة عازلة إلى بنية عسكرية ثابتة

بدأ التحول الكبير بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، عندما دخلت القوات الإسرائيلية المنطقة العازلة التي كانت تخضع لمراقبة الأمم المتحدة بموجب اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.

حينها قالت إسرائيل إن الخطوة "مؤقتة" وتهدف إلى حماية حدودها خلال مرحلة عدم الاستقرار في سوريا.

لكن الصورة التي تقدمها لجنة التحقيق الأممية اليوم مختلفة. فبحسب اللجنة، لم يعد النشاط الإسرائيلي مقتصرا على دخول مؤقت إلى المنطقة العازلة، بل شمل إنشاء "حواجز مؤقتة وبنية تحتية عسكرية ثابتة داخل الأراضي السورية"، ولا سيما في محافظتي القنيطرة ودرعا، بالتوازي مع دوريات ومداهمات متكررة.

لكن أخطر ما ورد في إفادة اللجنة يتعلق بملف المعتقلين. فحتى يونيو الماضي، وثقت اللجنة اعتقال الجيش الإسرائيلي 49 سوريًا، بينهم طفلان، داخل الأراضي السورية، مع اعتقاد بأنها نقلتهم إلى داخل إسرائيل.

وأشارت اللجنة إلى أن بعض هؤلاء المعتقلين احتُجزوا بمعزل عن العالم الخارجي، ما أثار مخاوف تتعلق باحتمال تعرضهم لسوء المعاملة أو التعذيب.

وقالت ني أولين إن مثل هذه الأفعال "قد ترقى إلى جرائم حرب".

كما تحدثت اللجنة عن عمليات عسكرية أدت إلى نزوح بعض السكان من مناطقهم، قبل أن تستخدم توصيفا قانونيا وسياسيا بالغ الدلالة، معتبرة الوجود الإسرائيلي في المنطقة "احتلالا حربيا".

أهمية التوصيف

تكمن أهمية التطور في أن الجدل لم يعد يدور فقط حول شرعية الضربات الإسرائيلية داخل سوريا، بل حول طبيعة الوجود الإسرائيلي نفسه، وفقا لوكالة "رويترز".

فالوجود الذي قدمته إسرائيل في البداية باعتباره إجراء أمنيا مؤقتا بات، وفق تقييم اللجنة، يتسم بعناصر أكثر ثباتا، ففي إشارة إلى المواقع العسكرية، الحواجز، الدوريات المتكررة، عمليات الاعتقال والسيطرة الفعلية على مناطق داخل دولة أخرى، خصوصا مع عدم وجود أي هامش زمني تنتهي وفقه "المنطقة الأمنية المؤقتة".

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

ولم يكتف التقرير الأممي بانتقاد عمليات منفردة، بل يربط بين استمرار الوجود العسكري وطبيعته وبين قواعد القانون الدولي الإنساني المنظمة لـ"عملية الاحتلال".

غضب إسرائيلي وترحيب سوري

بالمقابل، رفضت إسرائيل استنتاجات اللجنة بشدة. وقالت بعثتها في جنيف إن اللجنة حولت الجلسة إلى حملة ضد إسرائيل، مؤكدة أن تل أبيب "لا تملك أي طموحات إقليمية في سوريا".

وبحسب الموقف الإسرائيلي، فإن المنطقة العازلة التي تسيطر عليها مؤقتا لا تمثل سوى نحو"0.1% من الأراضي السورية"، وأن وجود القوات فيها ضروري لحماية الإسرائيليين من تهديدات أمنية محتملة.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

أما دمشق، فرحبت حكومتها بنتائج لجنة التحقيق، وأكد ممثلها أمام الأمم المتحدة أن العمليات الإسرائيلية تشكل انتهاكا للقانون الدولي وللسيادة السورية ولاتفاق فض الاشتباك الموقع عام 1974.

الجنوب أمام واقع جديد

أتى هذا التصعيد القانوني الأممي في وقت انتقلت فيه العلاقة بين دمشق وتل أبيب من القطيعة المطلقة إلى محادثات مباشرة، بعدما كانت إسرائيل قد تعاملت بداية مع السلطة السورية الجديدة باعتبارها مصدر تهديد.

لكن المفاوضات السياسية لم توقف التحركات العسكرية الإسرائيلية على الأرض، فمنذ سقوط النظام السابق، نفذت إسرائيل كذلك مئات الضربات ضد بنى عسكرية سورية، وسيطرت قواتها على مواقع جديدة داخل الأراضي السورية.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

فيما تعلن حكومة نتنياهو أنها ترى بانهيار السلطة السابقة في دمشق خلق فراغا أمنيا على حدودها، وأنها لا تستطيع السماح لجماعات مسلحة بالتمركز قرب الجولان وتهديد شمال إسرائيل، مستشهدة بتجربة هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023.

في حين ترى دمشق والأمم المتحدة أن هذا الانتشار يشكل انتهاكا للسيادة السورية واتفاق فض الاشتباك لعام 1974، وقد أعربت المنظمة عن موقفها إذ أكدت اللجنة تأييدها لموقف الأمين العام أنطونيو غوتيريش بأن انتهاكات سيادة سوريا ووحدة أراضيها "غير مقبولة ويجب أن تتوقف".