لم تكن حادثة اختطاف شاب وقتله في ريف الحسكة، مجرد جريمة، إذ سرعان ما تحولت إلى احتجاجات وتوترات أمنية امتدت إلى مدينة عين العرب/كوباني، وانتهت بحريق داخل سجن المدينة أسفر عن مقتل 7 سجناء وإصابة العشرات.

كما انتقلت شرارة الغضب إلى القامشلي، حيث شهدت جريمة قتل أخرى أثارت بدورها توتراً محلياً، لتتحرك السلطات والفعاليات العشائرية والاجتماعية في محاولة لاحتواء الموقف ومنع تحوله إلى أزمة أوسع في شمال شرقي سوريا.

من هو "سيبان"؟

سامي شيخموس حسو، الملقب بـ"سيبان"، شاب كردي ومقاتل سابق في قوات سوريا الديمقراطية "قسد".

وأشارت مصادر محلية إلى أنه كان قد أصبح ضمن التشكيلات العسكرية الداخلة في مسار الاندماج مع مؤسسات الدولة السورية.

وفي العاشر من سبتمبر، اختُطف حسو من مدينة الحسكة، قبل العثور على جثته قرب قرية الحلو في منطقة رأس العين بريف المحافظة.

لتعلن الأجهزة الأمنية فتح تحقيق وملاحقة المتورطين، قبل أن تعلن لاحقاً توقيف عدد منهم.

Image 1

لكن خلف الجريمة قصة أقدم أعادت إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا حساسية في المنطقة.. "الثأر العشائري".

ثأر يعود إلى عام 2024؟

وفق روايات وصفحات محلية، يُشتبه في ارتباط مقتل حسو بقضية تعود إلى أبريل 2024، عندما قُتل شابان من عشيرة البوحسن التابعة لقبيلة البكارة برصاص عناصر من "قسد" عند نقطة تفتيش في منطقة جبل عبد العزيز جنوب غربي الحسكة.

ووثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في حينه مقتل الشابين علاء عوض الموسى وإبراهيم خلف الموسى العزيز، ونسبت مقتلهما إلى عناصر من قوات سوريا الديمقراطية.

Image 1

لاحقاً، ظهرت اتهامات محلية لحسو بالمشاركة في الحادثة، لتبرز فرضية أن اختطافه وقتله جاءا انتقاماً لمقتل الشابين قبل أكثر من عامين.

ورغم أن مقتل الشابين عام 2024 موثق، بينما لم يظهر حتى الآن حكم قضائي منشور يثبت مسؤولية حسو الشخصية عن قتلهما، كما أن السلطات لم تعلن بصورة نهائية أن الثأر هو الدافع المثبت وراء الجريمة، اشتعل الغضب.

الجريمة تشعل الشارع

لم يتوقف مقتل حسو عند حدود التحقيق الجنائي، فبعد انتشار خبر مقتله، شهدت مناطق في الحسكة وريفها تحركات احتجاجية طالبت بكشف ملابسات الجريمة ومحاسبة المسؤولين عنها.

وسرعان ما وصلت التداعيات إلى عين العرب (كوباني)، حيث خرجت احتجاجات على خلفية مقتله، قبل أن تتحول إلى مواجهات وتوترات أمنية.

بدورها، قالت وزارة الداخلية السورية إن قوات الأمن انتشرت في المدينة لحماية المظاهرة، لكن عدداً من المشاركين بدأوا بأعمال شغب والاعتداء على عناصر ومواقع أمنية، ما أدى إلى إصابات وتوقيف عدد من الأشخاص.

Image 1

في المقابل، قدمت جهات كردية رواية مختلفة جزئياً للأحداث، متحدثة عن تدخل أمني لفض الاحتجاجات ووقوع إطلاق نار واعتقالات.

حريق السجن.. 7 قتلى

لكن التطور الأخطر جاء داخل سجن عين العرب، فبعد التوترات والاعتقالات، اندلع حريق داخل السجن أدى، بحسب قيادة الأمن الداخلي في حلب، إلى وفاة 7 سجناء وإصابة العشرات بحالات اختناق وحروق.

وقالت الداخلية إن عدداً من السجناء أضرموا النار في الفرش والأقمشة والأثاث، ما تسبب بانتشار النيران داخل السجن.

لكن الحادث كشف في الوقت نفسه عن وضع إداري وأمني غير مكتمل في المدينة. فالسلطات السورية أكدت أنها لم تكن قد تسلمت إدارة السجن بصورة رسمية حتى لحظة الحريق، وأن عملية الاستلام والتسليم لا تزال مرتبطة بإجراءات وقرارات قضائية وقانونية ضمن مسار دمج المؤسسات القائمة في المنطقة بمؤسسات الدولة.

Image 1

وبالتالي وقع الحريق في منشأة أمنية لا تزال عملياً في مرحلة انتقالية بين الإدارة السابقة والسلطات الحكومية الجديدة.

جريمة ثانية في القامشلي

تزامنا مع قضية حسو، شهدت مدينة القامشلي حادثة أخرى زادت من حساسية الوضع، حيث قُتل الشاب كاسر عطية المحمد في حي المطار بالمدينة، وسط اتهامات متداولة لـ"الشبيبة الثورية" بالضلوع في مقتله.

وأعلنت قوى الأمن الداخلي توقيف شخصين على خلفية القضية وفتح تحقيق لكشف ملابسات الجريمة وتحديد المسؤوليات.

في حين لا توجد حتى الآن معلومات تثبت وجود ارتباط مباشر بين مقتل المحمد ومقتل حسو، لكن تزامن الحادثتين ساهم في زيادة حالة الاحتقان ودفع السلطات والوجهاء المحليين إلى التحرك سريعاً.

Image 1

احتواء الموقف

مع اتساع التوتر، شهدت الحسكة وعين العرب، السبت، اجتماعات لمحاولة منع التصعيد.

ففي الحسكة، ترأس نائب المحافظ أحمد الهلالي اجتماعاً ضم وجهاء وشخصيات عشائرية، وتركز النقاش على تعزيز التنسيق بين الفعاليات الاجتماعية والعشائرية والحفاظ على السلم الأهلي والتماسك المجتمعي.

أما في عين العرب، عُقد اجتماع موسع لبحث تداعيات الأحداث الأمنية ومنع تجددها.

وقال المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا إن الجهات المعنية تمكنت من احتواء الموقف، وإن قيادة الأمن الداخلي في حلب فتحت تحقيقاً لتحديد المتورطين ومسؤولية كل طرف.

وأشار أيضاً إلى رصد محرضين يقفون خلف بعض أعمال الشغب، مؤكداً استمرار جمع المعلومات عنهم.

خطورة الوضع

يذكر أن تعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي كانت اعتبرت ما جرى اختبارا أمنيا وسياسيا حساسا في مدينة تشكل واحدة من أبرز المراكز الكردية في سوريا.

Image 1

ولفت المعلقون إلى أن الخطورة لا تتعلق فقط بهوية الضحية أو بطريقة مقتله، وإنما بالتوقيت والبيئة السياسية التي وقعت فيها الأحداث، خصوصا وأن شمال شرقي سوريا يعيش مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، مع استمرار عملية دمج "قسد" ومؤسسات المنطقة ضمن مؤسسات الدولة السورية، مشددين على أن نتائج التحقيق تبقى الأمل الوحيد لوضع حد لأي انفجار قد يحدث مستقبلاً.