بعدما أفاد مصدر عسكري يمني بأن جماعة الحوثي حفرت خنادق في الجبال المطلة على مضيق باب المندب ونشرت ألغاماً في الممر البحري الدولي، تصاعدت المخاوف من انتقال المواجهة في اليمن إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية في حركة التجارة العالمية، خصوصا وأنها لم تعد عسكرية فقط، بل برزت بالتوازي معركة أخرى حول حقيقة التهديد نفسه.
ألغام مزروعة أم حرب نفسية؟
ظهر المشهد الأكثر وضوحاً في مضيق هرمز، بعدما قال الحرس الثوري الإيراني إن ناقلة النفط "إل غايا" التي ترفع علم بنما انفجرت واشتعلت فيها النيران إثر اصطدامها بألغام بحرية.
لكن القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم" سارعت إلى نفي الرواية الإيرانية بشكل قاطع، وقالت إن ادعاء الحرس الثوري "كاذب"، مؤكدة أن الناقلة كانت قد تعرضت لصاروخ إيراني الشهر الماضي ما أدى إلى تعطيلها، قبل أن تستهدفها إيران مجدداً بطائرة مسيّرة أثناء وجودها قبالة الساحل العُماني خلال عطلة نهاية الأسبوع.
ولم تكتفِ القيادة الأميركية بنفي رواية اللغم، بل اعتبرت ما صدر عن الحرس الثوري مثالاً على "الأكاذيب ومحاولات الترهيب" في وقت تسعى فيه طهران، وفق الرواية الأميركية، إلى عرقلة حركة السفن التجارية في المضيق.
على الجانب الآخر من المنطقة، ظهر سيناريو مشابه ولكن بصورة أكثر غموضاً، إذ أفاد مصدر عسكري يمني لوكالة الأنباء الألمانية "د ب أ"، بأن الحوثيين حفروا في باب المندب، خنادق في الجبال المطلة على المضيق ونشروا ألغاماً في المياه القريبة، في إطار تعزيز تحصيناتهم العسكرية بعد تقدمهم الأخير في الساحل الغربي.
ليرد الحوثيون في اليوم نفسه تقريباً برواية مختلفة تماماً، حيث أكدوا أن الملاحة في باب المندب لا تزال آمنة.
تهديد مؤثر؟
وفقا لإدارة معلومات الطاقة الأميركية EIA، لا يحتاج اللغم في الحروب البحرية، دائماً إلى الانفجار حتى يحقق تأثيراً. فالاشتباه بوجود ألغام في ممر بحري ضيق قد يفرض على السفن وشركات الملاحة إعادة تقييم المخاطر، كما قد يستدعي عمليات استطلاع وإزالة ألغام ويزيد من حساسية شركات التأمين تجاه المرور في المنطقة.
وتزداد أهمية ذلك في باب المندب تحديداً، باعتباره البوابة الجنوبية للبحر الأحمر والطريق المؤدي إلى قناة السويس بالنسبة للسفن القادمة من خليج عدن والمحيط الهندي.
رغم ذلك، لم يكن التهديد في المنطقة نظرياً بالكامل. ففي أغسطس الماضي، أعلنت سلطات يمنية العثور على لغم بحري قالت إن الحوثيين زرعوه في منطقة حيوية من خط الملاحة الدولي في باب المندب، قبل أن تقوم وحدة بحرية بتعطيله. ولم يعلق الحوثيون حينها على الاتهام.
كما لا تزال الإرشادات البحرية الأميركية تحذر السفن التجارية من مجموعة واسعة من التهديدات الحوثية في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، بينها الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة ومحاولات احتجاز السفن.
مستوى آخر من المواجهة
ليكشف المشهد الممتد بين هرمز وباب المندب مستوى آخر من المواجهة، ففي هرمز، يقول الحرس الثوري إن الألغام تسببت بانفجار ناقلة، فيما تقول سنتكوم إن الرواية غير صحيحة وإن إيران نفسها استهدفت السفينة بصاروخ ومسيّرة.
وفي باب المندب، تتحدث مصادر عسكرية يمنية عن نشر ألغام، فيما يصر الحوثيون على أن الملاحة لا تزال آمنة.
أما شركات الملاحة فتبقى أمام معضلة مختلفة، إذ أنها لا تحدد الخطر فقط بما انفجر بالفعل، وإنما أيضاً بما قد يكون تحت سطح الماء.
الأمم المتحدة تحذر
التحذير اليمني من أن الحوثيين أقاموا خنادق متعددة في المناطق الجبلية القريبة والمطلة على المضيق، بالتزامن مع نشر عدد كبير من الألغام في الممر البحري، دفع الملف إلى مجلس الأمن.
ففي إحاطة أمس الثلاثاء، قال مساعد الأمين العام للأمم المتحدة خالد خياري إن الوضع في باب المندب ومحيطه أصبح أكثر تقلباً خلال الأيام الأخيرة، مع اشتداد القتال على الساحل الغربي وتقدم الحوثيين باتجاه المضيق، وسط تقارير عن سيطرتهم على عدد من الجزر في جنوب البحر الأحمر.
وبحسب الأمم المتحدة، لا تظهر بيانات تتبع السفن حتى الآن تأثراً واضحاً في تدفقات الملاحة التجارية عبر البحر الأحمر، إلا أن تقدم الحوثيين أثار مخاوف إضافية في الأسواق، خصوصاً في ظل الاضطرابات المستمرة في مضيق هرمز.
ليس هذا فحسب، ففي مؤشر آخر على حجم مخلفات الحرب في المنطقة، أعلن مشروع "مسام" الأسبوع الماضي، إتلاف لـ6021 لغماً وقطعة ذخيرة ومخلفات متفجرة جُمعت من مناطق مختلفة على الساحل الغربي، ونُفذت عملية تدميرها في منطقة باب المندب بمحافظة تعز.
لماذا باب المندب؟
وفقا لإدارة معلومات الطاقة الأميركية EIA، تكمن حساسية التصعيد في الموقع نفسه. فباب المندب هو البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، ويربطه بخليج عدن وبحر العرب، ما يجعله جزءاً أساسياً من الطريق البحري الذي يربط المحيط الهندي بقناة السويس والبحر المتوسط.
لذلك، فإن أي اضطراب أمني في هذه المنطقة، وفق الإدارة، لا يبقى محصوراً داخل اليمن، بل يمكن أن ينعكس على حركة السفن والتجارة الدولية ومسارات الشحن بين آسيا وأوروبا.
ومع انتقال الحوثيين ميدانياً إلى مناطق أكثر قرباً من المضيق، وظهور تقارير عن تحصينات وخنادق وألغام، تتزايد المخاوف من أن يتحول باب المندب من ساحة نفوذ عسكري داخل الصراع اليمني إلى ورقة ضغط مرتبطة مباشرة بأمن الملاحة في البحر الأحمر.





