استُخدمت الهدايا - بدءا من حصان طروادة ووصولا إلى تمثال الحرية - كأدوات سياسية ودعائية ودبلوماسية منذ العصور القديمة، ضمن سياق ما يعرف في عصرنا الحديث بـ"دبلوماسية الهدايا".

ففرنسا قدمت للولايات المتحدة تمثال الحرية، والصين ترسل حيوانات الباندا في تبادل رمزي بين قادة العالم لكن بذات أبعاد هائلة، وإن مازال تبادل الهدايا لليوم يعتبر فنا معقدا.

وفي أحدث فن "دبلوماسية الهدايا" ما شهدته القمة التي جمعت الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والصيني شي جينبينغ في البيت الأبيض قبل أيام، حيث أهدى الرئيس الجمهوري نظيره الصيني تمثالاً لنسر أصلع، وهو الرمز الوطني للولايات المتحدة، بينما أهدى شي - ضمن سياسة "دبلوماسية الباندا"- ترامب إثنين من حيوانات الباندا، وصفهما بأنهما "سفيرا صداقة" إلى حديقة حيوان أتلانتا.

وذكرت وكالة أنباء شينخوا الرسمية أن "بينغ بينغ" و"فو شوانغ" غادرا مطار تشنغدو شوانغليو الدولي على متن طائرة مستأجرة فجر الأحد.

وذكرت صحيفة "غلوبال تايمز" الصينية الرسمية بأنه تم تجهيز كعك الذرة المطهو على البخار والخيزران والجزر لضمان حصول زوج الباندا على الغذاء الكافي خلال الرحلة الجوية التي تستغرق 15 ساعة.

لكن هل تنجح "دبلوماسية الهدايا"؟

يعود مصطلح "دبلوماسية الباندا" إلى حقبة الرئيس ريتشارد نيكسون عندما زار العاصمة الصينية بكين عام 1972، وأهدته حينها الصين إثنين من حيوانات الباندا العملاقة - وهما "لينغ-لينغ" و"شينغ-شينغ".

وفي المقابل، أرسلت الولايات المتحدة إلى بكين إثنين من ثيران المسك أطلقت عليهما اسمي "ميلتون" و"ماتيلدا". وقد اجتذب وصول الباندا إلى حديقة الحيوان الوطنية التابعة لمؤسسة "سميثسونيان" في واشنطن أكثر من مليون زائر خلال الشهر الأول، مما ساعد في تلطيف نظرة الرأي العام الأميركي تجاه الصين، وفق تقرير لصحيفة الغارديان.

أما أقوى الهدايا السياسية في العصر الحديث هو تمثال الحرية، وهو تمثال ضخم مصمم على الطراز الكلاسيكي الجديد، صُنع في فرنسا وقُدّم للشعب الأميركي في أواخر القرن التاسع عشر.

وقد صُمم تمثال "الحرية تنير العالم" (وهو الاسم الأصلي للتمثال) - بحجمه ورمزيته - ليكون علامة صداقة تخليداً للذكرى المئوية لإعلان الاستقلال الأميركي عام 1776.

يشير تقرير الغارديان أنه رغم تأخر وصوله لعقد من الزمان، فقد كان التمثال أيضا تذكيرا - ربما كان مقصودا- بالدور المحوري الذي لعبته فرنسا في مساعدة الولايات المتحدة على التحرر من قبضة بريطانيا.

واليوم، أصبح تمثال الحرية أحد أكثر المعالم شهرة في العالم، في حين أن شهرة مبدعه، فريدريك أوغست بارتولدي، لم تبلغ القدر ذاته؛ وهو وضع يسعى "متحف أورسيه" في باريس لتداركه من خلال معرض يسلط الضوء على حياة النحات ومسيرته المهنية.

وفي كتابه الصادر عام 2022 بعنوان "هدايا دبلوماسية: تاريخ عبر خمسين هدية" (Diplomatic Gifts: A History in Fifty Presents)، تتبع الدبلوماسي المحترف بول بروميل - الذي يشغل حالياً منصب المفوض السامي البريطاني في موريشيوس - كيف استُخدمت الهدايا كأدوات سياسية ودعائية ودبلوماسية منذ العصور القديمة.

وصرح بروميل لصحيفة "واشنطن ديبلمات" (Washington Diplomat) قائلاً: "تتسم الهدايا في وقتنا الحاضر بالبساطة والتواضع، ولكن عند النظر إلى التاريخ، نجد أن الهدايا الدبلوماسية كانت تحتل حيزاً جوهرياً في تفكير الملوك العظماء؛ إذ لم يكونوا يبخلون في تقديمها"، وفق الغارديان.

فبعض الهدايا -التي تندرج تحت ما يُعرف بـ "القوة الناعمة"- تركت أثرا دائما؛ ففي عام 1912، أهدت العاصمة اليابانية طوكيو 3020 شجرة كرز إلى مدينة واشنطن العاصمة، ولا تزال تلك الأشجار تُزهر حتى يومنا هذا.

ومنذ عام 1947، دأبت أوسلو على إرسال شجرة عيد ميلاد شاهقة الارتفاع إلى لندن كل عام، تقديراً لاستضافة المدينة لحكومتها المنفية إبان سقوط البلاد في قبضة النازيين، كما ترسل هولندا 20 ألف بصيلة زهرة التوليب إلى كندا سنوياً، تعبيراً عن الامتنان لأوتاوا التي آوت العائلة المالكة الهولندية خلال الحرب العالمية الثانية.

بعض الهدايا التي لم تحقق نجاحا

عندما زار رئيس الوزراء البريطاني آنذاك، غوردون براون، واشنطن عام 2009، أهدى باراك أوباما حاملة أقلام متقنة الصنع منحوتة من أخشاب سفينة تابعة للبحرية الملكية كانت مخصصة لمكافحة تجارة الرقيق. وفي المقابل، كانت هدية أوباما لبراون عبارة عن مجموعة من أقراص الفيديو الرقمية (DVD) التي تضم الأفلام المفضلة لدى الرئيس.

وثمة واقعة أخرى أكثر إشكالية، تمثلت في تقديم وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون "زراً" رمزياً لروسيا عام 2009 كإشارة إلى تحسن العلاقات؛ إذ كان الزر يحمل كلمة "إعادة ضبط" (reset) باللغة الروسية، لكن الترجمة الخاطئة جعلته يحمل معنى "شحن مفرط" (overcharge) بدلاً من ذلك، وفق الصحيفة.