بعد منتصف ليلة 18 أبريل 2021 بدت كلمات من قبيل "قنبلة" و"انقلاب" هما الأكثر تعبيرا عن الأوضاع التي تلتها، عند إعلان رئيس ريال مدريد الإسباني فلورنتينو بيريز إطلاق "فكرة" بطولة دوري السوبر الأوروبي بمشاركة 12 ناديا كبيرا من أوروبا، وهي الفكرة التي أثارت جنون الجميع في القارة الأوروبية.
كان "يويفا" و"فيفا" وروابط الدوريات الخمس الكبرى الأكثر جنونا وتوحشا ضد الفكرة، قبل أن تكافئهم الجماهير الإنكليزية بأفضل طريقة، عندما أجبرت أنديتها الستة المعلن مشاركتها على الانسحاب الواحد تلو الآخر من البطولة، وتشكل ضربة موجعة لبيريز وبطولته التي يبدو أنها ماتت في المهد.
لم يمر الكثير حتى انسحبت 3 أندية أخرى، لتبقى 3 أخرى فقط صامدة، وهي الريال وبرشلونة ويوفنتوس، وكانت تلك اللحظة التي بات فيها اللعب مكشوفا، إذ أصبح يويفا وفيفا على علم بأصحاب الفكرة الانشقاقية، قبل أن تضع المؤسستين الكبيرتين خططا مدروسة تحطم بها المشروع، وتقتل خطر مثل هذه الأفكار بلا رجعة.
يوفنتوس الأول.. وبرشلونة يلحقه
ما بين الترقب لدى يويفا والتحفز بين الثلاثي، وجد يوفنتوس نفسه فجأة في خضم أزمة فساد مالي تتعلق باتهامات بتضخيم رأس المال عبر الصفقات التبادلية، قبل أن يعلن رئيسه أندريا أنييلي ومساعديه الاستقالة في نوفمبر الماضي جراء هذه الأزمة.
لم يمض الكثير من الوقت على فضيحة وخروج أنييلي داعم السوبر الأوروبي من المشهد، حتى جاء الدور على برشلونة، والذي بدوره تعرض لضربة قوية في سمعته، في أعقاب تفجر أزمة ما اصطلح عليها إعلاميا بقضية نيغريرا في مارس الماضي، وتوجيه اتهامات رسميا للكتالوني بتقديم رشى للحكام الإسبان.
ولا يزال الملف تحت تحقيق السلطات الإسبانية، فيما شكل يويفا لجنة تحقيق خاصة، يتوقع أن تبت في الموضوع قريبا.
بدوره، بدا ريال مدريد ورئيسه فلورنتينو بيريز الوحيد الصامد والبعيد عن الأزمات، الحقيقة أو المدبرة، رغم أنه يعد صاحب الفكرة الأولى للمشروع الجدلي، لكنه ظل دائما حذرا، خشية هجمة مباغتة.
تورط الملكي
في ظل انشغال ريال مدريد ورئيسه بيريز برصد مستوى صفقاته الصيفية الجديدة خلال تدريبات الفريق التي انطلقت مطلع هذا الأسبوع، وأيضا التحضير لصفقة ضخمة تجلب كيليان مبابي إلى سانتياغو برنابيو، تفاجأ، الثلاثاء ١١ يوليو، بتقرير استقصائي خطير للغاية نشرته تيليغراف البريطانية، يتهم ريال مدريد بعدم شرح وتفصيل نحو 20% من مداخيله عن السنة المالية المنقضية في أكتوبر الماضي، ما يضع بالتالي علامات استفهام حول إمكانية خرقه قواعد اللعب المالي النظيف.
أكدت الصحيفة البريطانية المرموقة أن ريال مدريد خلال نشره تقريره المالي الأخير، وضع 135 مليون يورو تحت بند "نفقات تشغيل أخرى"، لكنه لم يفصّل منها سوى نحو 13 مليون يورو، وهي عبارة عن مدفوعات لرابطة الليغا تفرضها على جميع أنديتها الـ20، لكن ظلت 122 مليون يورو بدون إفصاح.
الحلقة الغائبة
رغم عدم إعلانها عن ذلك، فإن تيليغراف، بدت قريبة من القول بإن هذه المصاريف "غير المُفصَح عنها" ذهبت إلى تغطية قرض غير معلن في حسابات الريال المالية.
في موسم 2017 ـ 2018، أعلن ريال مدريد بيع نسبة غير معلنة من عوائده من الرعاة، لشركة بروفيدنس الأميركية، وكان المقابل المادي من تلك الصفقة سببا في توقفه عن الاقتراض لأول مرة منذ 3 مواسم.
ورغم عدم تشكيك الصحيفة في شرعية ذلك الاتفاق، فإنها تساءلت عن الكيفية التي يتم اعتبارها "مداخيل، لا قروض"، وهو أمر مهم في حسبة قوانين اللعب المالي النظيف.
ورأت تيليغراف أن أندية مثل مانشستر سيتي تتعرض لتدقيق أكثر صرامة من قبل قوانين يويفا، في حين لم يطبق، الأخير، الأمر ذاته على ريال مدريد.
وبحال اعتبر ريال مدريد اتفاقه مع بروفيدنس، والذي جدده في 2019، قرضا، فإنه سيؤثر على نسبة سماح يويفا له بالإنفاق لشراء لاعبين، فكلما كانت الإيرادات أكبر، كان هامش الإنفاق المسموح به لشراء اللاعبين أكبر.
وسجل ريال مدريد عوائد ضخمة العام الماضي، بلغت 713 مليون يورو، وكان الفائدة الأكبر فيها بعد استلامه 360 مليون يورو، من رافعة شهيرة استعان بها في 2021، وذلك عبر بيعه نسبة 30% من عوائده من البث التلفزيوني لمدة 20 عاما إلى شركة سيكست ستريت الأميركية مقابل 800 مليون يورو، ذهب الجزء الأكبر لترميم ملعب سانتياغو برنابيو.
وسمح هذا الوضع لريال مدريد بالإنفاق براحة كبيرة في الميركاتو الجاري، إذ ضم جود بيلينغهام من دورتموند مقابل 134 مليون يورو رسوم انتقال، ويهدف لدفع نحو ضعف المبلغ لجلب مبابي.
الأبيض المدريدي صامت
لم يصدر ريال مدريد بيانا رسميا حتى الآن، لكن مصادر في النادي نفت بشدة لصحيفة ماركا الإسبانية المزاعم التي جاءت في تقرير الصحيفة الإنجليزية.
وبدورها، رأت الصحافية في إذاعة كوبي الإسبانية أرانشا رودريغيز بأن جميع حسابات ريال مدريد تم تدقيقها ولم يظهر أي خرق، يثبت مزاعم تيليغراف.
وأضافت في لقاء في الإذاعة الإسبانية إنه لو كان هنالك أي خلل، فإن كل من خافيير تيباس ورئيس يويفا تشفرين سيكونان أول من يكتشفا ذلك، قبل فتحهما تحقيقا، لجهة علاقتهم غير الجيدة بيريز على خلفية دوري السوبر.
ما حجم الخطورة على الريال؟
بنظرة عامة على التحقيق الصحفي لتيليغراف، لا تبدو فيه الكثير من الوقائع التي يمكن أن تشكل خطرا في الوقت الراهن على الريال، لجهة أن كل ما في الأمر هو ملاحظة دقيقة ونباهة صحفية من رئيس القسم الرياضي في تيليغراف سام والاس.
واستخلص والاس كل ذلك من قراءته الوقائع بتأني، لكن الأمر في حقيقته، لا يبدو صعب التبرير على ريال مدريد، كما أن تيليغراف أقرت بصعوبة وصف الصفقة المدريدية مع بروفيدنس بغير الشرعية.
لكن رغم ذلك، سيكون ريال مدريد قد رفع بالفعل قرون الاستشعار لديه، وأعلن حالة التأهب القصوى، إذ لن يغيب عنه سيناريو يوفنتوس.
وفي أبريل 2022 قدم مدعي الاتحاد الإيطالي لكرة القدم جوسيبي تشيني تقريرا للمحكمة يطالبها فيه بإدانة يوفنتوس في قضية زيادة مكاسب رأس المال، لكن المحكمة رفضته لنقص الأدلة، قبل أن يكلف الاتحاد الإيطالي لجنة أخرى، نجحت في إثبات الخروقات، لتنهي مسيرة أنييلي في رئاسة السيدة العجوز.
ومن غير المستبعد أن يفتح تقرير تيليغراف، على ضعفه حاليا، شهية رابطة الليغا ويويفا والسلطات الإسبانية للقيام بعملية تحقيقات أكبر، يمكن أن تكشف عن أمور لا يعلمها البعض داخل النادي الملكي.
وسيكون رئيس يويفا ألكسندر تشفيرين ورئيس رابطة الليغا خافيير تيباس، أكثر حماسا لذلك، إذ ينتظران منذ عامين فرصة في إبعاد رئيس ريال مدريد عن المشهد، حتى يُشّيعا معه فكرة السوبر.
وظل بيريز طوال الفترة الماضية يتمترس خلف حرصه الشديد، في حين وفرت له نجاحات الريال على أرضية الملعب، وارتفاع شعبيته عالميا مصدا من الغدر المحتمل من يويفا ورابطة الليغا، وحتى فيفا.
اعرف أكثر عن..
النفقات التشغيلية
بشكل عام هي المصروفات المستمرة لمؤسسة تجارية أو مصنع أو شركة، هذه المصروفات تأتي خلال مزاولة الأعمال اليومية، وتختلف عن المصروفات الرأسمالية التي هي تكلفة شراء الآلات والمعدات.
على سبيل المثال، تدخل عملية شراء ماكينة تصوير ضمن بند المصروفات الرأسمالية، أما الورق والحبر المستخدم، ومصروفات الصيانة، فتندرج ضمن بند النفقات التشغيلية.
وفي أندية كرة القدم، تكون عادة هذه النفقات مخصصة لحجز الفنادق والسفريات الداخلية والخارجية، وكذلك صيانة الملعب والاعتناء بأرضيته، لكن في كرة القدم لا تدخل أجور اللاعبين ضمن هذا البند مثلما يحدث في الشركات الأخرى.
يذكر أن ريال مدريد غير العشب في أرضية ملعبه في الموسم الأخير 5 مرات، بسبب مشاكل تقنية، وكان في كل مرة يغير فيه العشب يدفع مقابله 300 ألف يورو، وكل ذلك يدخل ضمن بند النفقات التشغيلية.
