لم يعد الذكاء الاصطناعي بالنسبة إلى الأطفال مجرد أداة للبحث أو إنجاز الواجبات. بعضهم بدأ يستخدم روبوتات المحادثة للحصول على النصيحة، والفضفضة، والدعم، وأحيانا بحثا عن علاقة تشبه الصداقة.. وهنا تبدأ المشكلة.
ماذا لو كان الشخص الذي يحكي له طفلك أسراره قبل النوم ليس صديقا، ولا أخا أكبر، ولا حتى معلما.. بل روبوت ذكاء اصطناعي؟ وهنا السؤال لم يعد افتراضيا تماما.
فالأطفال والمراهقون يستخدمون روبوتات المحادثة بصورة متزايدة للحصول على المعلومات والتعلم والإبداع، لكن أيضا للحصول على النصائح والدعم، وأحيانا لبناء نوع من العلاقة معها.
وتقول اليونيسف إن هذا الاستخدام "العاطفي" للذكاء الاصطناعي يخلق مخاطر مختلفة وأشد بالنسبة إلى الأطفال، لأن الروبوت لم يعد مجرد أداة يستخدمها الطفل ثم يغلقها، بل قد يتحول إلى طرف يتحدث معه ويثق به.
عندما يصبح الروبوت "صديقا"
الفرق بين أن يسأل الطفل الذكاء الاصطناعي عن معلومة وبين أن يخبره بأنه خائف أو حزين كبير.
في الحالة الأولى، يتعامل الطفل مع أداة.
أما في الثانية، فقد يبدأ بالتعامل مع نظام مصمم للرد بطريقة محادثية وطبيعية، ومتاحة في أي وقت، ولا يشعر معها بالإحراج أو الخوف من الحكم عليه.
وتحذر اليونيسف من أن روبوتات المحادثة ذات الطابع "العلاقاتي" قد تجعل الأطفال أكثر عرضة لمخاطر تتعلق بسلامتهم وخصوصيتهم ورفاههم النفسي، خصوصا عندما تبدأ الأنظمة في محاكاة التفاعل البشري بصورة أكثر واقعية. ولذلك تدعو المنظمة إلى الانتقال من التعامل مع المخاطر بعد وقوعها إلى الوقاية منها منذ تصميم هذه الأنظمة.
وهنا تظهر مفارقة جديدة: كلما أصبح الذكاء الاصطناعي أفضل في محاكاة الإنسان، أصبح من الأصعب على الطفل التعامل معه باعتباره مجرد أداة.
"الصديق" قد لا يعرف متى يكون الطفل في خطر
في سبتمبر 2026، حذر توم سيغل، المسؤول السابق عن السلامة والثقة في غوغل، من أن الذكاء الاصطناعي قد يشكل بالنسبة إلى الأطفال مخاطر أكبر من تلك التي سببتها وسائل التواصل الاجتماعي، داعيا إلى إجراءات حماية أقوى واختبارات مستقلة للسلامة والتحقق من أعمار المستخدمين.
وتشمل المخاوف التي أشار إليها سيغل قضايا مثل إيذاء النفس، وبعض الاضطرابات النفسية، وما سماه الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي على حساب التفكير النقدي.
لكن المشكلة الأكثر حساسية تظهر عندما يلجأ طفل يمر بأزمة إلى روبوت المحادثة طلبًا للمساعدة.
في حالة آدم راين، وهو مراهق أميركي يبلغ 16 عامًا توفي منتحرا في أبريل 2025، رفعت أسرته دعوى قضائية ضد شركة أوبن إيه آي، زاعمة أن محادثاته مع ChatGPT تضمنت نقاشات حول الانتحار وطرق تنفيذه، وأن النظام لم يتعامل مع حالته بالطريقة التي كان يمكن أن يتعامل بها شخص بالغ يلاحظ علامات الخطر.
لكن هل يستطيع الطفل تجاوز القيود؟
بحسب الخبراء، قد يستطيع بعض الأطفال التحايل على بعض قيود العمر إذا كانت بعض خدمات برمجيات الدردشة تعتمد فقط على إدخال تاريخ الميلاد، لأن هذه الطريقة لا تتحقق فعليا من العمر، غير أنه عندما تطلب هذه البرمجيات تحققا بالهوية أو تقديرا للعمر أو موافقة ولي الأمر، يصبح تجاوز القيود أصعب بكثير.
أما فيما تعلق بإعدادات الخصوصية المتعلقة بالمستخدم، أكان طفلا أو راشدا، فعبر خوارزميات chatbot يمكنها فقط تخمين ما يكتبه الطفل أو يرسله في المحادثات المتكررة واستنتاج اهتمامات أو عادات أو معلومات شخصية من طريقة الحديث، لكن الاستنتاج ليس بالضرورة صحيحا.
وفي هذا السياق، يقول سيغل إن مخاوفه تتوافق مع قلق متزايد لدى بعض خبراء قطاع التكنولوجيا والباحثين الأكاديميين من أن الذكاء الاصطناعي يشكل تهديدا أعمق للأطفال مما شكلته وسائل التواصل الاجتماعي، في وقت تسارع فيه الصناعة لإضافة خصائص متطورة بشكل متزايد إلى روبوتات الدردشة التي يستخدمها بالفعل الملايين من صغار السن يوميا.
وأعلن سيغل الثلاثاء، أنه انضم إلى "كومن سينس ميديا"، وهي منظمة تهتم بحماية أنشطة الأطفال عبر الإنترنت. وتقوم هذه المنظمة غير الربحية، التي تأسست عام 2003، بإجراء أبحاث وتقييمات لمدى ملاءمة مختلف الوسائط للأطفال.
وقال سيغل إنه يخطط لوضع معايير يمكن من خلالها محاسبة شركات الذكاء الاصطناعي، وعبر عن أمله في تحقيق ذلك من خلال العمل جنبا إلى جنب مع تلك الشركات والأطراف الأخرى.
الخطر ليس دائما في المحادثة
هناك وجه آخر للمشكلة لا يتعلق بما يقوله الذكاء الاصطناعي للطفل، بل بما يمكن أن يفعله الآخرون بالذكاء الاصطناعي ضد الطفل.
في فبراير 2026، قالت اليونيسف إن دراسة أجرتها مع ECPAT وINTERPOL في 11 دولة وجدت أن ما لا يقل عن 1.2 مليون طفل أفادوا بأن صورهم عُدلت خلال العام السابق إلى صور جنسية مزيفة باستخدام تقنيات الـDeepfake.
وتشمل هذه التقنيات تعديل صور حقيقية لأطفال أو استخدام أدوات توليد الصور لإنتاج محتوى جنسي مزيف يبدو حقيقيًا.
وهنا لا يحتاج الطفل أصلًا إلى أن يكون مستخدمًا للذكاء الاصطناعي كي يتضرر منه.
قد تكون صورة نشرها على الإنترنت كافية لتصبح مادة يمكن التلاعب بها.
لماذا يصعب منع الأطفال من الوصول إليه؟
المشكلة أن وضع كلمة "18+" على خدمة ذكاء اصطناعي لا يعني بالضرورة أن الطفل لن يصل إليها. ولهذا أصبحت آليات التحقق من العمر جزءًا أساسيًا من النقاش حول سلامة الأطفال رقميًا.
لكن التحقق من العمر وحده لا يحل المشكلة. فحتى عندما تعرف المنصة أن المستخدم طفل، يبقى السؤال: ماذا ستفعل عندما يبدأ الطفل في الحديث عن أزمة نفسية؟ كيف ستتعامل مع المعلومات الشخصية التي يكشفها؟ وما نوع المحتوى الذي ستسمح له بالوصول إليه؟
لهذا تدعو اليونيسف إلى تصميم أنظمة تراعي سلامة الأطفال وخصوصيتهم منذ البداية، مع تقييم المخاطر قبل إطلاق المنتجات وبعدها، ووضع ضوابط أكثر صرامة للأنظمة التي تتخذ طابعًا عاطفيًا أو اجتماعيًا واضحًا.
وفي يونيو 2026، دعمت دول مجموعة السبع مبادئ مشتركة لحماية الأطفال على الإنترنت، شملت "السلامة والخصوصية حسب التصميم"، وحلولًا مناسبة للتحقق من العمر، وإعطاء الأولوية لسلامة الأطفال ورفاههم بدل زيادة التفاعل، إلى جانب التحرك ضد المحتوى الجنسي للأطفال الناتج عن الذكاء الاصطناعي.
من يحمي الطفل؟
لا توجد جهة واحدة تملك الإجابة، فالوالدان يحتاجان إلى معرفة ما يستخدمه الطفل وكيف يستخدمه، والمدرسة تحتاج إلى تعليم الأطفال التعامل النقدي مع أدوات الذكاء الاصطناعي، والشركات مطالبة ببناء أنظمة أكثر أمانًا.
لكن هناك فرقًا مهمًا بين الذكاء الاصطناعي الذي يساعد الطفل في أداء واجبه، والذكاء الاصطناعي الذي يصبح الشخص الذي يعود إليه الطفل عندما يكون حزينًا أو خائفا أو وحيدا.





