لم يعد البحث عن الأعراض المرضية عبر الإنترنت سلوكا عابرا لدى كثيرين، بل تحول لدى بعضهم إلى مصدر قلق متصاعد قد يقود إلى اضطرابات نفسية. يطلق خبراء على هذه الظاهرة مصطلح "سايبركوندريا"، وهو مصطلح مُركّب من cyber أو "إلكتروني"، وhypochondria أو "وهم المرض".
وبمناسبة يوم الصحة العالمي الموافق 7 أبريل، يؤكد الخبراء أن هذه الظاهرة ليست مرضا بحد ذاتها، بل نمط سلوكي قد يتطور إلى مشكلات صحية.

يشرح هايكو غراف، مدير عيادة الطب النفسي والعلاج النفسي في مستشفى كارلسروه الألماني، أن هذه الحالة تقوم على خوف غير مبرر أو تضخيم لاحتمال الإصابة بأمراض خطيرة نتيجة التعرض المكثف لمحتوى صحي على الإنترنت. وقد تتفاقم الحالة لتصل إلى الاكتئاب أو اضطرابات القلق المرضي، الذي يمثل أقصى درجة لهذا النوع من المخاوف.
ما الفئة العمرية الأكثر إصابة بالقلق؟
وبحسب دراسة لجامعة ماينتس الألمانية، فإن نحو 6% من السكان في ألمانيا يعانون من قلق شديد بشأن حالتهم الصحية، مع اتجاه تصاعدي خلال العقود الثلاثة الماضية، بحسب غراف، الذي أشار إلى أن الفئة العمرية دون 35 عاما تعتبر الأكثر عرضة لهذا القلق، نظرا لاعتمادها على الإنترنت بصورة أكبر ممن هم فوق 80 عاما، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن اضطرابات القلق غالبا ما تتشكل في مراحل مبكرة من الحياة.
ولا يقتصر الأمر على عامل العمر، إذ يكون الأشخاص الذين لديهم مستوى مرتفع من القلق العام أو صعوبة في التعامل مع الغموض أكثر قابلية للتأثر.
البحث عبر الإنترنت يزيد القلق
وتفيد دراسات بأن البحث عن الأمراض عبر الإنترنت يؤدي إلى زيادة القلق لدى نسبة تراوح بين 30% و50% من المستخدمين، بحسب غراف.
وفي سياق متصل، أظهر استطلاع أجراه معهد "فورسا" لقياس مؤشرات الرأي بتكليف من شركة التأمين الصحي الألمانية "كيه كيه إتش" أن 91% من المشاركين سبق أن بحثوا عبر الإنترنت عن معلومات صحية تتعلق بأمراض أو أعراض كانوا يعانون منها أنفسهم أو غيرهم، بينما أشار نحو ثلثهم إلى أنهم استغنوا عن زيارة الطبيب نتيجة لذلك.
وأفاد 13% بأنهم أجروا تشخيصا ذاتيا مرة واحدة على الأقل، وترتفع النسبة إلى 20% بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و34 عاما.
تقول إيزابيلا فينك، أخصائية علم النفس في شركة كيه كيه إتش، إن "البحث عن الأمراض وأعراضها عبر غوغل ليس أمرا خاطئا في حد ذاته، بل إنه في معظم الحالات يُحسّن الوعي الصحي لدى الفرد، شريطة أن تكون المعلومات موثوقة ومحدثة".
مرض غوغل
وأوضحت فينك أن المخاطر تظهر عند الاستخدام المفرط، خاصة لدى من لديهم مخاوف مسبقة من أمراض خطيرة أو مستعصية، مشيرة إلى أنه في مثل هذه الحالات قد يتحول البحث إلى حلقة مفرغة من القلق، تعرف أحيانا بـ"مرض غوغل"، حيث يقضي المصابون ساعات طويلة في تصفح المعلومات، ويميلون إلى أسوأ التفسيرات، ويضخمون الأعراض وصولا إلى تشخيصات ذاتية مبالغ فيها.
محتوى غير دقيق
يحذر الخبراء من أن ما لا يقل عن 40% من المحتوى الصحي على الإنترنت غير مُوثّق أو حتى غير صحيح، موضحا أن مراجعة منهجية لعشرات الدراسات أظهرت أن هذا ينطبق بشكل خاص على المعلومات المتعلقة بالسرطان.
ويرى غراف أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي مثل "شات جي بي تي" تمثل إشكالية أيضا، لأنها قد تعتمد بدورها على محتوى غير موثوق على الإنترنت.
وتقول فينك أيضا "المعلومات على الإنترنت متفاوتة جدا من حيث الجودة"، مضيفة أن المتخصصين فقط هم من يستطيعون تفسير هذا الكم من النتائج وتصنيفه بشكل صحيح.
ويمكن مساعدة المتضررين من خلال العلاج النفسي، ونادرا هنا ما يتم اللجوء إلى الأدوية، بحسب غراف، الذي أوضح أنه من خلال العلاج السلوكي يمكن تحقيق تقدم كبير خلال نحو 25 جلسة.





