أثبت فريق من الباحثين، بقيادة عالم المناعة نيكولاس أربايا من جامعة كولومبيا، نجاح نهج جديد يتمثل في تحويل بكتيريا البروبيوتيك (البكتيريا النافعة) إلى مصانع دقيقة لإنتاج الأدوية؛ حيث تستقر هذه البكتيريا داخل الأورام وتنتج العلاج الكيميائي، وفي الوقت نفسه تساعد في حشد الجهاز المناعي لمواجهة السرطان.
فعلى الرغم من أن العلاج الكيميائي يعتبر واحد من أكثر الطرق فعالية لعلاج السرطان العدواني، إلا أنه يفتقر إلى القدرة الكافية على التمييز بين الخلايا السرطانية المستهدفة والأنسجة السليمة المحيطة بها أثناء انتقالها عبر الجسم.
موقع ساينس ألرت الذي نقل الدراسة أفاد أنه بالرغم من أن النتائج تبدو محدودة، إلا أنها تشير إلى أن بكتيريا البروبيوتيك المُعدَّلة قد تلعب يوماً ما دوراً مهماً ضمن ترسانة الأدوات المستخدمة لمكافحة السرطان.
يُعد سرطان القولون والمستقيم واحداً من أكثر أنواع السرطان شيوعاً من حيث التشخيص على مستوى العالم، كما لا يزال علاج الحالات المتقدمة يعتمد بشكل كبير على المعالجة الكيميائية، بما في ذلك استخدام عقار "5-فلورويوراسيل".
ماذا في هذه التجربة؟
نظراً لأن السرطان ينشأ من خلايا الجسم نفسه، لجأ الباحثون إلى إيصال العلاج مباشرة إلى الأنسجة المصابة، مع الحد من تعرض بقية أجزاء الجسم لتلك التأثيرات.
وقام فريق البحث باستخدام بكتيريا تُوظَّف عادةً كـ "بروبيوتيك" (بكتيريا نافعة) لتعزيز صحة الأمعاء، وهي سلالة الإشريكية القولونية (E. coli) المعروفة باسم "نيسل 1917" (Nissle 1917) التي تتمتع بخصائص تجعلها مفيدة بشكل خاص في استهداف السرطان.
ولاختبار ما إذا كانت البكتيريا ستصل إلى الوجهة المستهدفة؛ قام فريق البحث بتنمية أورام القولون والمستقيم لدى فئران المختبر، ثم حقنوها بالبكتيريا، التي سرعان ما اختفت من الأعضاء الرئيسية للجسم.
وعند فحص الأورام، وجد الباحثون تجمعات هائلة للبكتيريا؛ إذ بلغت أعدادها أكثر من مليار خلية بكتيرية لكل غرام من نسيج الورم في غضون 5 أيام فقط، كما أمكنت برمجة هذه البكتيريا لإطلاق حمولتها العلاجية بمجرد وصولها إلى الورم.
الدراسة التي نشرت في دورية "ساينس ترانسليشنال مديسين" أفادت أنه بعد أكثر من تجربة على تعديل الميكروبات وراثيا دون إلحاق أضرار جانبية في صحة الفئران أو تدمير البكتيريا لعقار العلاج الكيميائي، قاموا بحذف جينات "preTA" من بكتيريا "الإشريكية القولونية" المعدلة، بالإضافة إلى تعديل الآلية المسؤولة عن تحويل "5-FC" إلى "5-FU" لإنتاج مركبين إضافيين:
الأول هو "محفز فائق" لبروتين "IL-15" (superagonist) لتحفيز الخلايا المناعية على مهاجمة السرطان.
والثاني هو "جسم نانوي" (nanobody) يعمل على حجب بروتين "PD-L1"، مما يزيل أحد "كوابح" المناعة التي تستخدمها الأورام لعرقلة الهجوم المناعي.
وبحسب الباحثين جاءت النتيجة فعالة على ٣ جبهات: إنتاج العلاج الكيميائي مباشرة داخل الورم، وتحفيز الجهاز المناعي، وتطبيق شكل موضعي من العلاج المثبط لنقاط التفتيش المناعية.
أفضل من العلاجات التقليدية
وفق الدراسة، ففي الفئران المصابة بأورام القولون والمستقيم المستقرة، أدى حقن البكتيريا المعدلة وراثياً مرة واحدة مباشرة في الورم - متبوعاً بجرعات من عقار "5-FC" - إلى السيطرة على الورم بشكل أفضل بكثير مقارنة باستخدام العلاج المناعي البكتيري أو العلاج الكيميائي البكتيري بمفردهما.
وقد اختفت 3 من الأورام الـ7 تماماً، أي ما يعادل 43 في المائة.
كما ظهرت مؤشرات تدل على أن تأثيرات العلاج لم تقتصر على الورم المُعالَج فحسب؛ إذ قام الباحثون بزرع أورام في جانبي أجسام بعض الفئران، لكنهم عالجوا جانباً واحداً فقط.
لكن وبشكل ملحوظ تباطأ نمو الورم غير المُعالَج أيضاً فيما لم يعثر الباحثون على أي أثر للبكتيريا المعدلة، مما يشير إلى أن العلاج قد حفّز استجابة مناعية أوسع نطاقاً ضد السرطان.
ورغم أن الدراسة رحبت بهذه النتائج الواعدة إلا أنها تقر أن الطريق مازال طويلا قبل إمكانية استخدام هذا العلاج على البشر.





