يشهد وادي السيليكون في السنوات الأخيرة تصاعدا لافتا في الخطاب المشكك من جدوى التعليم الجامعي ومكانته التقليدية في مسار النجاح المهني. ورغم أن معظم كبار قادة التكنولوجيا درسوا في أرقى الجامعات، فإنهم أصبحوا بين أبرز المنتقدين للتعليم العالي، معتبرين أن الجامعات صارت باهظة التكلفة، عقائدية، ولا تُعد الطلاب لعالم العمل السريع التغير.

يصف تحقيق صحيفة لوموند هذه الظاهرة بـ"الموجة الغريبة" ضد الجامعات، بينما تكشف تقارير فاست كومبني وبيزنيس إنسايدر أن جيلا جديدا من مؤسسي الشركات الناشئة يتبنى هذا الخطاب بشكل أكثر حدة، ويروج لفكرة أن النجاح الحقيقي يبدأ خارج أسوار الجامعة.

انتقادات السيليكون للنموذج الجامعي

يعرض تحقيق لوموند مظاهر متنامية من العزوف عن الجامعات بين قادة الصناعة الرقمية، رغم أنهم نتاج مؤسسات تعليمية نخبوية.

يرى المفكرون الجدد في وادي السيليكون أن التعليم الجامعي مكلف بلا مبرر، محدود في حرية التعبير، ولا يقدم المهارات العملية المطلوبة في عالم الذكاء الاصطناعي.

من الأمثلة البارزة:

  • إيلون ماسك الذي أعلن أن "كل شيء متاح للتعلم مجانا، ولا حاجة للجامعة لتعلم أي مهارة تقنية".
  • مارك زوكربيرغ الذي قال إن الجامعة لا تُعد الطلاب للوظائف التي يحتاجها السوق.
  • بيتر ثيل الذي بدأ منذ عام 2010 في تمويل مبادرة تحث الشباب على ترك الجامعات وتطوير أفكارهم مباشرة.

يرى هؤلاء أن الجامعات أصبحت "مؤسسات مكلفة تنتج خريجين محبطين سياسيا واقتصاديا"، كما وصفها مدير Palantir أليكس كارب، الذي اتهمها بأنها تبعد الطلاب عن الواقع المهني وتغرقهم في "النظريات غير المفيدة".

صعود حركة "تخطى الجامعة" بين الجيل الجديد من المؤسسين

تؤكد بيزنيس إنسايدر أن جيلا جديدا من رواد الأعمال، أغلبهم من الذكور في بداية العشرينيات، بات ينظر إلى الجامعة باعتبارها مضيعة للوقت، وبديلا لا جدوى منه في عالم تتحرك فيه التكنولوجيا بسرعة البرق.

ويبرز التقرير مجموعة من المبادرات والأفكار التي تدفع الشباب لتجاوز المسار الجامعي التقليدي، من بينها:

  • برنامج Meritocracy Fellowship لشركة Palantir الذي يشجع الطلاب على "تجاوز غسيل الأدمغة الجامعي" والبدء في بناء شركاتهم مباشرة.
  • تأكيد بعض المؤسسين الشباب أن "الإنترنت والسير الذاتية للمؤسسين المشاهير" تغنيهم عن أي برنامج جامعي.
  • انتشار فكرة أن "الالتحاق بالجامعة علامة على المتوسطية" بين مراهقين موهوبين يحققون أرباحا كبيرة قبل بلوغ سن 18 عاما.
📱

Loading TikTok...

يقول جيه سي باتيش، مؤسس شركة فيوز إنرجي، لبزنس إنسايدر: "الحياة قصيرة جدا، ولا أريد أن أقضيها في قاعات محاضرات مع أشخاص لم يبنوا شيئا".

أما غيلد، وهو رائد أعمال تكنولوجي أميركي معروف بكونه الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لمنصة Owner.com، فيذهب أبعد من ذلك، إذ يؤكد أن قيمة الشهادة الجامعية ضئيلة للغاية، ويرى أنه بدلا من إنفاق مئات الآلاف من الدولارات على الرسوم الدراسية، فإن أشخاصا مثله يستفيدون أكثر من قراءة سير المؤسسين الكبار والتعلم عبر الإنترنت، أو حتى من خلال الاعتماد على ذكاء اصطناعي مدرَّب على تقليد ستيف جوبز، بدلا من أساتذة جامعات لم يبنوا أي شيء في حياتهم.

جذور العداء للجامعات في وادي السيليكون

تكشف صحيفة لوموند أن الحملة الحالية ضد الجامعات ليست وليدة اللحظة، بل تمتد جذورها إلى البنية الثقافية لوادي السيليكون نفسه.

منذ عقود، ترسخت صورة رائد الأعمال العبقري الذي يترك الجامعة ليبني إمبراطورية تقنية، بدءا من بيل غيتس ومارك زوكربيرغ وصولا إلى لاري إليسون وجاك دورسي، وهي أسطورة تُستخدم اليوم كمرجع لتبرير فكرة أن النجاح الحقيقي لا يحتاج إلى تعليم نظامي.

لكن لوموند تشير إلى أن هذه الأسطورة مضللة، فالغالبية الساحقة من قادة التكنولوجيا الحاليين يحملون شهادات عليا، وبعضهم أصحاب مسارات أكاديمية طويلة، ورغم ذلك يقودون حملة منظمة لتقويض قيمة التعليم العالي عبر اتهامه بالتكلفة الباهظة، وضيق الأفق الفكري، وابتعاده عن متطلبات سوق العمل في عصر الذكاء الاصطناعي.

وتجمع لوموند وبيزنيس انسايدر على أن هذه الموجة ليست مجرد انتقاد عابر، بل تعبير عن تحول أعمق في علاقة وادي السيليكون بالمعرفة. في حين تهاجم الجامعات بذريعة "البطء" و"الجمود"، يكشف التحقيقان أن هذا الخطاب يعكس رغبة متزايدة لدى رواد الأعمال في التحرر من أي منظومة تنظيمية أو فكرية تُقيّد اندفاعهم، حتى لو كان ثمن ذلك التخلي عن المسار التعليمي الذي أسس معظمهم نجاحه عليه.