بعد مرور أسبوع على الحملة العسكرية التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، يبدو أن الأمور لا تسير وفق توقعات واشنطن وإسرائيل، رغم تأكيد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مرارا أنّ العمليات تسير بوتيرة أسرع مما خُطط له.

ترامب لا يزال يوجه رسائل للداخل الإيراني وينتظر تحركا مفصليا يمثل نقطة تحول في الصراع الذي قدّر في بادئ الأمر أنه ربما يستغرق من 4 إلى 5 أسابيع، خاصة بعد اغتيال مرشد إيران علي خامنئي في أوّل أيّام القصف، قبل أن يتحدث لاحقا عن إمكانية أن يمتد الصراع لفترة أطول، تاركا الباب مفتوحا أمام سيناريوهات متعددة.

ومع غياب المؤشرات على انهيار النظام الإيراني أو اندلاع انتفاضة داخلية، تتزايد التساؤلات حول قدرة واشنطن على تحقيق أهدافها بسرعة، وسط مخاوف من انزلاق الصراع إلى حرب أطول وأكثر تعقيدا.

رهان لم يتحقق.. الشارع الإيراني

لم يجد الرئيس الأميركي المردود الذي توقعه بخروج الإيرانيين للشوارع واقتحام مؤسسات الدولة مع بدء العمليات العسكرية واغتيال المرشد.

ولذلك عاد ترامب ليخاطب عناصر الأمن الإيرانية هذه المرة ويدعوهم للاستسلام، قائلا لهم: "سنمنحكم الحصانة والحق في الوقوف إلى الجانب الصحيح من التاريخ". كما حث الدبلوماسيين الإيرانيين حول العالم على طلب اللجوء والمساعدة في تشكيل "إيران جديدة وأفضل"، في أحدث مساعيه لاقتلاع النظام الإيراني.

لكن صحيفة واشنطن بوست نقلت عن مصدر مطلع أن الاستخبارات الأميركية لم ترصد أي مؤشرات على انتفاضات أو انشقاقات داخل إيران، مؤكدا أن "سيطرة النظام في إيران كاملة".

ويرى مراقبون أن غياب التحرك الشعبي الذي كانت واشنطن تعوّل عليه يمثل أحد أبرز العوائق أمام تحقيق اختراق سريع في مسار الحرب.

هواجس حرب طويلة

رغم الضربات التي تتلقاها إيران، يبقى شبح إطالة أمد الحرب هاجسا يقض مضاجع إدارة ترامب التي تسعى لحسم المعركة في أسرع وقت ممكن وبأقلّ الخسائر، وهي تدرك أن الضربات الجوية وحدها قد لا تكون كافية لتحقيق ذلك.

وتتزامن هذه المخاوف مع تقارير تحدثت عن أزمة تتعلق بنقص الذخائر في المعسكر الأميركي الإسرائيلي، وهو ما سارعت الإدارة الأميركية إلى نفيه.

كما تتواصل الانقسامات داخل الولايات المتحدة بشأن قرار الذهاب إلى الحرب، مع تزايد التساؤلات حول الأهداف الحقيقية للعملية العسكرية.

ومع سقوط قتلى في صفوف القوات الأميركية وتعرّض قواعدها ومقارّ دبلوماسية ومصالح تابعة لها لضربات متتالية، تتعالى الأصوات المعارضة داخل الولايات المتحدة وتزداد الانتقادات.

وقد وصل الجدل إلى حدّ طرح تشريع يطالب بوقف الضربات الجوية على إيران، واشتراط الحصول على موافقة الكونغرس على أيّ أعمال عدائية ضدها. إلا أنّ مجلسي الشيوخ والنواب رفضاه بهامش ضئيل نظرا للأغلبية التي يحظى بها الجمهوريون، حلفاء ترامب، فيهما.

ترامب ورهان تغيير النظام

يرى محللون أن تصريحات الرئيس الأميركي بشأن ضرورة مشاركته في اختيار زعيم إيران المقبل لا تمثل استباقا للأحداث فحسب، بل تعكس أيضا أسلوبه في إدارة الملفات الدولية، وتكرس فكرة تدخله في تحديد شكل الأنظمة السياسية التي تتماشى مع رؤيته.

ويستشهد هؤلاء بأمثلة عدة، ربما آخرها تحذيره من عودة نوري المالكي لرئاسة الحكومة العراقية وتهديده بعواقب، وكذلك إطاحته بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وإطلاقه أحكاما على الأسماء المطروحة لخلافته، مثل الرئيسة الانتقالية، ديلسي رودريجيز، أو زعيمة المعارضة الحائزة على جائزة نوبل للسلام ماريا كورينا ماتشادو.

وفي هذا السياق، أكّد ترامب في تصريحات لموقع أكسيوس الإخباري أنّه لن يقبل زعيما إيرانيا جديدا يواصل سياسات خامنئي، مضيفا أن "مواصلة سياسات خامنئي ستجبرنا على العودة إلى الحرب خلال ٥ سنوات".

وجاء ذلك تعقيبا على ما تردد عن خلافة مجتبى خامنئي، نجل مرشد إيران، لوالده، حيث قال ترامب: "إنهم يضيعون وقتهم لأن ابن خامنئي شخصية ضعيفة.. هو غير مقبول بالنسبة لي، فنحن نريد شخصا يجلب السلام والانسجام لإيران".

وكرر الرئيس الأميركي هذه التصريحات في مقابلة مع صحيفة بوليتيكو، وجه خلالها أيضا انتقادات للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وتوقع سقوط النظام الكوبي.

دروس التاريخ وتحذيرات الخبراء

تحت عنوان "أي محاولة لتغيير النظام من المرجح أن تكرر أخطاء الماضي"، اعتبر فيليب جوردون، الذي عمل مستشارا للأمن القومي لنائبة الرئيس الأميركي السابقة كامالا هاريس، في مقال بمجلة الإيكونومست، أنّ "القوة الجوية، الغزو الشامل، تسليح المعارضة: النتيجة عادة ما تكون واحدة".

كما حذّر مقال في "نشرة العلماء الذريين" من أنّ مسعى ترامب لتغيير النظام في إيران قد يؤدي إلى صراع طويل ومعقّد، مشيرا إلى أنّ تداعيات الإطاحة السريعة بقيادة إيران لا تزال غير واضحة.

📱

Loading TikTok...

وأضاف أن السوابق التاريخية تظهر أن محاولات تغيير حكومات خصوم أجانب بالقوة غالبا ما تبدو ناجحة في بدايتها، لكنها سرعان ما تتحول إلى صراعات طويلة.

واستشهد الكاتب بـ٦ أمثلة تاريخية، أبرزها حرب أفغانستان عام 2001، وغزو العراق عام 2003، وقبل ذلك أزمة خليج الخنازير في كوبا عام 1961.

ماذا بعد المرحلة الأولى من الحرب؟

في المقابل، تؤكد الولايات المتحدة وإسرائيل أن الضربات الأخيرة نجحت في تقويض القدرات العسكرية الإيرانية بشكل كبير.

وقال رئيس الأركان الإسرائيلي، إيال زامير: "بعد التفوق الجوي ننتقل للمرحلة الثانية ولنا مفاجآت كبيرة".

وذكرت هيئة البث الإسرائيلية أنّ المرحلة المقبلة قد تمتد لأسابيع عدة، مشيرة في الوقت نفسه إلى أن "إسرائيل وأميركا تعتقدان أنه لا يمكن الاستمرار بالهجوم على إيران بنفس الكثافة لفترة طويلة، لذلك يتم الاستعداد لتخفيف الوتيرة من أجل الاستمرار بالهجمات على مدى أسابيع عدّة".

وفي ظلّ غياب أي أفق واضح لمساع دبلوماسية لوقف الحرب أو استئناف المفاوضات، يبدو أنّ الصراع بين واشنطن وطهران قد يكون مقبلا على مرحلة أطول وأكثر تعقيدا مما توقعه صناع القرار في البداية.