لم تعد الحروب الحديثة تحسم فقط بالتكنولوجيا الأكثر تقدما، بل بالمعادلة الاقتصادية للسلاح. ففي ساحات القتال من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، باتت طائرات مسيرة لا تتجاوز كلفة الواحدة منها عشرات آلاف الدولارات قادرة على استنزاف أنظمة دفاع جوي تكلّف ملايين الدولارات لإسقاطها.
هذه المفارقة قلبت حسابات الجيوش الكبرى، ودفعت الحكومات الغربية وشركات الصناعات العسكرية إلى سباق تطوير وسائل دفاع أرخص قادرة على مواجهة أسراب الدرونات والصواريخ منخفضة التكلفة.
ووفقا لتقارير صحفية وتحليلات عسكرية، فإنّ هذا السباق قد يعيد رسم معادلات الحرب خلال السنوات المقبلة، حيث لم يعد السؤال هو من يمتلك السلاح الأقوى، بل من يستطيع القتال بكلفة أقلّ.
الحرب الحديثة ومعضلة التكلفة
أظهرت الحرب في أوكرانيا والمواجهات في الشرق الأوسط أنّ الطائرات المسيرة الرخيصة أصبحت من أبرز أدوات القتال. فقد استخدمت إيران وروسيا طائرات من طراز شاهد، وهي ذخائر طائرة انتحارية صغيرة نسبيا يمكن إطلاقها من منصات بسيطة مثل الشاحنات.
وتشير تقديرات خبراء عسكريين إلى أنّ تكلفة تصنيع الطائرة الواحدة من هذا النوع تتراوح بين 20 ألفا و50 ألف دولار، لكنها قادرة على ضرب أهداف على مسافات تصل إلى نحو 1200 ميل. في المقابل تعتمد الجيوش الغربية على أنظمة دفاع جوي متطورة مثل منظومة باتريوت، التي تستخدم صواريخ اعتراضية قد يتجاوز سعر الواحد منها ٣ ملايين دولار.
ووفقا لصحيفة نيويورك تايمز، فإنّ تكلفة إسقاط طائرة مسيرة واحدة قد تكون أعلى بعشرات المرات من تكلفة تصنيعها. كما أنّ هذه الأنظمة تنتج بأعداد محدودة نسبيا، إذ سلمت شركة لوكهيد مارتن نحو 620 صاروخا اعتراضيا فقط من طراز PAC-3 خلال عام واحد، وهو رقم صغير مقارنة بعدد الدرونات التي يمكن إطلاقها في هجوم واحد.
وبحسب تحليل نشره معهد لوي الأسترالي، فإن استخدام صاروخ قد تصل قيمته إلى مليون دولار لاعتراض طائرة مسيرة لا تتجاوز قيمتها بضعة آلاف يعكس خللا اقتصاديا في نماذج الحرب التقليدية، وهو ما يدفع الجيوش إلى البحث عن حلول أقل تكلفة وأكثر استدامة.
سباق عالمي نحو دفاع جوي أرخص
ردا على هذه المعادلة الجديدة، بدأت الحكومات الغربية وشركات الدفاع تطوير حلول أقل تكلفة لاعتراض الدرونات والصواريخ الصغيرة. ووفقا لصحيفة فايننشال تايمز، يشمل هذا التوجه تطوير رادارات منخفضة التكلفة، وطائرات مسيرة اعتراضية، إضافة إلى ذخائر دفاعية أرخص بكثير من الأنظمة التقليدية.
وتعمل شركات دفاع كبرى مثل آر تي إكس الأميركية، المصنعة لمنظومة باتريوت، على تطوير أنظمة اعتراض مخصصة للطائرات المسيرة، من بينها نظام كويوت الذي يستخدم طائرات صغيرة لملاحقة الدرونات وتدميرها.
كما طورت شركات أخرى ذخائر منخفضة التكلفة مثل نظام APKWS، الذي يحول الصواريخ غير الموجهة إلى ذخائر دقيقة نسبيا بتكلفة أقلّ بكثير من الصواريخ الاعتراضية التقليدية.
وفي الوقت نفسه ظهرت موجة من الشركات الناشئة المتخصصة في الدفاع ضدّ الطائرات المسيرة، حيث تعمل بعض هذه الشركات على تطوير طائرات اعتراض مسيرة تستخدم الذكاء الاصطناعي لملاحقة الدرونات وإسقاطها.
ويرى محللون أنّ الشركات الصغيرة قد تمتلك ميزة تنافسية في هذا المجال، لأنّها قادرة على تطوير تقنيات جديدة بسرعة أكبر مقارنة بالشركات الدفاعية العملاقة التي تعمل عادة ضمن برامج تطوير طويلة ومعقدة.
الرادارات والليزر.. مستقبل الدفاع الجوي
إلى جانب وسائل الاعتراض الجديدة، يجري العمل أيضا على تطوير تقنيات كشف أكثر فاعلية للطائرات المسيرة الصغيرة، التي يصعب رصدها باستخدام الرادارات التقليدية.
ففي أوكرانيا، طورت شركات التكنولوجيا نظاما يعتمد على أجهزة استشعار صوتية قادرة على التعرف على الدرونات من خلال بصمتها الصوتية، خاصة طائرات شاهد التي يصدر محركها صوتا يشبه صوت جزازة العشب. وتساعد هذه الأنظمة في تحديد موقع الدرونات بسرعة أكبر قبل وصولها إلى أهدافها.
كما يجري تطوير رادارات منخفضة التكلفة مصممة خصيصا لرصد الدرونات الصغيرة، ويبلغ سعر بعض هذه الأنظمة أقلّ من مليون دولار، مقارنة بالرادارات العسكرية التقليدية التي قد تتراوح تكلفتها بين 20 و50 مليون دولار.
لكن التكنولوجيا التي يراها كثير من الخبراء الأكثر وعدا هي أسلحة الطاقة الموجهة، مثل الليزر والموجات الميكرووفية، إذ يمكنها إسقاط الدرونات عبر تعطيل إلكترونياتها أو تدمير هيكلها بتكلفة تشغيل منخفضة للغاية مقارنة بالصواريخ.
وقد طورت دول عدة بالفعل نماذج من هذه الأسلحة. ففي إسرائيل أعلن عن استخدام نظام ليزر عالي الطاقة لاعتراض طائرات مسيرة، فيما تعمل بريطانيا على تطوير نظام دراغون فاير القادر على إسقاط الأهداف الجوية بتكلفة تشغيل منخفضة للغاية لكل عملية إطلاق.
ويرى خبراء عسكريون أن هذه التقنيات قد تعيد تشكيل طبيعة الحروب الحديثة، إذ قد تصبح الأنظمة الدفاعية منخفضة التكلفة عاملا حاسما في الصراعات المستقبلية.





