بينما تتصاعد التوترات حول مضيق هرمز، تتكشف تدريجيا الكلفة الاقتصادية المباشرة التي تتحملها إيران نتيجة تعطّل صادراتها النفطية.

في هذا الشأن، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في منشور على منصة تروث سوشيال، إن طهران "تنهار ماليا" وتخسر نحو 500 مليون دولار يوميا في ظل الحصار المفروض على موانئها، مشيرا إلى أن البلاد باتت "تعاني نقصا حادا في السيولة" مع شكاوى من تأخر دفع رواتب العسكريين وقوات الأمن.

وأضاف أن إيران تسعى إلى إعادة فتح المضيق بشكل عاجل، في إشارة إلى أهمية هذا الممر البحري في تدفق إيراداتها.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

وتشير هذه التصريحات إلى حجم الارتباط بين مضيق هرمز والاقتصاد الإيراني، حيث تمر عبره النسبة الأكبر من صادرات النفط التي تمثل المصدر الرئيسي للعملة الصعبة في البلاد. ومع تقييد حركة الملاحة، لا تتوقف الخسائر عند حدود الإيرادات النفطية، بل تمتد إلى مجمل النشاط الاقتصادي، من سلاسل الإمداد إلى قدرة الدولة على تمويل نفقاتها.

وفي هذا السياق، لا تبدو الضربات التي طالت قطاعات مثل الصلب سوى جزء من صورة أوسع، حيث يتحول تعطّل المضيق إلى عامل يضاعف الضغوط على الاقتصاد، ويدفع الخسائر إلى مستويات تتجاوز قطاعا واحدا نحو بنية الاقتصاد ككل.

خسائر النفط.. القصة الحقيقية وراء 45 مليار دولار

يشكّل النفط الركيزة الأساسية للاقتصاد الإيراني، ما يجعل أي تعطيل لصادراته ينعكس مباشرة على قدرة الدولة على تمويل نفقاتها.

في مارس 2026، بلغت صادرات إيران نحو 1.84 مليون برميل يوميا، قبل أن تنخفض إلى 1.71 مليون برميل يوميا في أبريل، مقارنة بمتوسط سنوي قدره 1.68 مليون برميل يوميا في عام 2025، وفق لبيانات كبلر التي نقلتها رويترز.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

كما أشارت وول ستريت جورنال إلى أن طهران رفعت صادراتها إلى نحو 2.15 مليون برميل يوميا في فبراير، في محاولة لتعزيز الإيرادات قبيل تصاعد المواجهة العسكرية.

هذا التدفق اليومي كان يدرّ نحو 139 مليون دولار، بحسب تقديرات أويل برايس، لكنه بات مهددا بشكل مباشر مع فرض الولايات المتحدة حصارا بحريا يقيّد حركة السفن من وإلى الموانئ الإيرانية، وهو ما قد يحجب نحو مليوني برميل يوميا عن الأسواق العالمية، وفق رويترز.

وتكمن خطورة هذا التطور في أنه يستهدف المصدر الرئيسي للعملة الصعبة، في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على صادرات النفط والغاز التي تشكّل نحو 82% من إجمالي عائدات التصدير، بحسب تريدينغ إيكونوميكس.

ولا تقف الخسائر عند حدود الإيرادات النفطية المباشرة، بل تتجاوزها إلى آثار أوسع على مجمل النشاط الاقتصادي. يقدّر محللون أن الأضرار اليومية قد تصل إلى نحو 435 مليون دولار، مع إمكانية ارتفاعها إلى 480 مليون دولار عند احتساب التأثيرات غير المباشرة، وفق أويل أند غاز 360.

وفي السياق ذاته، أشار مياد مالك، المسؤول السابق في وزارة الخزانة الأميركية، في منشور على حسابه بمنصة إكس، إلى أن الخسائر المباشرة من النفط والبتروكيماويات وحدها تبلغ نحو 276 مليون دولار يوميا، فيما ترفع تداعيات أوسع، مثل تعطّل الواردات والأنشطة الصناعية، إجمالي الخسائر إلى هذا المستوى، مع التأكيد أن هذه الأرقام تبقى تقديرية وليست رسمية.

تشير هذه المستويات من التصدير إلى خسارة سنوية تقارب 45 مليار دولار في حال توقف الصادرات النفطية، أي نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي لإيران، غير أن الخطر يتجاوز حجم الإيرادات إلى كيفية تدفقها، إذ إن تراكم النفط غير المباع يضغط على مرافق التخزين ويدفع طهران إلى تقديم خصومات لتصريفه، ما يضعف السيولة ويزيد مخاطر التعامل مع المشترين في ظل عدم اليقين، وفقا لموقع إنيرجي أوتلوك أدفايزرز.

ومع انكماش هذا الشريان الحيوي للعملة الصعبة، تتجه الأنظار إلى القطاعات غير النفطية، وعلى رأسها قطاع الصلب، الذي لم يسلم بدوره من الضربات، ما يكشف اتساع دائرة التأثير من النفط إلى قلب القاعدة الصناعية للبلاد.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

قطاع الصلب.. ضربة موجعة لصناعة تحت الضغط

لم تكن الضربات الجوية التي استهدفت في مارس 27 قطاع الصلب الإيراني مجرد استهداف عسكري محدود، بل أصابت أحد أهم أعمدة الصناعة في البلاد، إذ تشير تقديرات، نشرها موقع إيران إنترناشيونال، إلى أن الإنتاج تراجع بشكل حاد مع تعطل نحو 70% من الطاقة الإنتاجية، فيما تتراوح الخسائر المباشرة للقطاع بين 5 و10 مليارات دولار.

وفي هذا السياق، أفادت دويتشه فيله بأن الهجمات التي تعرض لها مصنعي "خوزستان ستيل" و"مباركة ستيل"، الذي يُعد الأكبر في البلاد بإنتاج يقارب 7 ملايين طن سنويا، وقد توقفت خطوط إنتاجه "بالكامل"، أدت إلى تضرر مرافق التخزين وإمدادات الطاقة، وهي عناصر حيوية لأي عملية إنتاج صناعي، فيما نقلت بي بي سي عن مصادر أمنية إسرائيلية أن هذه الهجمات يُتوقع أن تُلحق خسائر بمليارات الدولارات بالاقتصاد الإيراني، مشيرة إلى ارتباط هذه المصانع بالحرس الثوري.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

وتزداد خطورة هذه الضربة عند النظر إلى حجم القطاع قبل الحرب، إذ تشير دويتشه فيله إلى أن إيران كانت من بين أكبر منتجي الصلب عالميا في 2025، بإنتاج سنوي بلغ نحو 31.8 مليون طن بحسب رابطة الصلب العالمية. وعلى مستوى هذا القطاع، قال الخبير الاقتصادي حسن منصور في حديث لدويتشه فيله إن الخسائر المباشرة قد تتراوح بين 5 و6 مليارات دولار، في ظل تضرر منشآت رئيسية وتوقف الإنتاج في بعضها.

ويمتد تأثير هذه الخسائر إلى ما هو أبعد من القطاع نفسه، إذ يقدّر خبراء أن تداعيات الحرب الأوسع قد تؤدي إلى تراجع الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من 10%، أي ما يعادل خسائر تتراوح بين 34 و44 مليار دولار من النشاط الاقتصادي، مع انتقال الصدمة إلى قطاعات البناء والتصنيع وسلاسل الإمداد المرتبطة بها.

ويعزز هذا التقييم ما أشار إليه المحلل الاقتصادي علي رضا سلاواتي، الذي اعتبر أن المشكلة لا تكمن فقط في الأضرار المادية، بل في الجدوى الاقتصادية لإعادة الإعمار، إذ تعمل بعض وحدات القطاع بهوامش ربح ضيقة، ما قد يجعل استيراد الصلب أقل كلفة من إعادة تشغيلها في حال تعرضها لدمار كبير.

ولا تقف التداعيات عند حدود الاقتصاد الكلي، بل تمتد إلى البعد الاجتماعي. فقد ذكرت وول ستريت جورنال أن مصنع "خوزستان ستيل" يوظف نحو 10 آلاف عامل، كثير منهم بعقود غير مستقرة، ما يعني أن أي توقف طويل في الإنتاج سيؤثر على آلاف الأسر.

تُظهر هذه المؤشرات أن قطاع الصلب لم يدخل الحرب في وضع مريح أصلا. فبحسب تقديرات ستيل رادار، كان القطاع يواجه بالفعل ضغوطا مرتبطة بالطاقة والعقوبات وهوامش الربح قبل الضربات، ما جعل تأثير الهجمات مضاعفا، ليس فقط كصدمة مفاجئة، بل كعامل يسرّع أزمة قائمة في الأصل.

الأمن الغذائي.. اعتماد متزايد على الواردات تحت الضغط

يشكّل الأمن الغذائي أحد أكثر نقاط الضعف حساسية في الاقتصاد الإيراني، في ظل اعتماد متزايد على الواردات لتلبية الطلب المحلي.

وتشير بيانات كبلر إلى أن إيران ليس لها اكتفاء ذاتي في الحبوب، حيث تعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتغطية احتياجاتها، خاصة مع ارتفاع الطلب على الأعلاف الحيوانية الذي يتجاوز حجم الإنتاج المحلي، فيما تستحوذ الذرة على الحصة الأكبر من واردات الحبوب.

وتعتمد الغالبية العظمى من هذه الواردات على المسارات البحرية عبر مضيق هرمز، ما يجعل أي تعطيل للملاحة فيه عاملا مباشرا في تهديد تدفق الإمدادات الغذائية. ورغم إمكانية استيراد الحبوب من روسيا عبر بحر قزوين، فإن هذه القنوات تبقى محدودة مقارنة بحجم التجارة التي تمر عبر الخليج.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

وتظهر البيانات أن إيران تعتمد على الواردات لتأمين نحو 30% من استهلاكها من القمح، في حين أن الاعتماد على الخارج في الأعلاف، خاصة الذرة، أعلى بكثير، إذ يتم استيراد معظمها من البرازيل.

وتعكس أرقام التجارة هذا الاعتماد بوضوح، إذ استوردت إيران ذرة بقيمة 3.4 مليارات دولار، وقمحا بقيمة 2.18 مليار دولار، وأرزا بنحو 2.04 مليار دولار، وفول صويا بقيمة 1.66 مليار دولار، وفقا لبيانات ورلد تريد إنتغريتد سوليوشنز. ويأتي ذلك في وقت تواجه طهران صعوبات في تمويل واردات الحبوب حتى قبل تصاعد الحرب، نتيجة العقوبات، ما أدّى إلى تكدس شحنات في الموانئ.

ومع تصاعد التوترات، تفاقمت هذه الضغوط، حيث تشير بيانات كبلر إلى وجود أكثر من 20 سفينة محمّلة بالحبوب تنتظر التفريغ، بعضها منذ أكثر من شهرين، في حين تنتظر ٦ سفن أخرى الدخول إلى الخليج، مع وجود شحنات إضافية في طريقها من المحيط الأطلسي. وفي ظل الحصار، أصبح ميناء بندر الإمام الخميني شبه معزول، ما يعني أن تفريغ هذه الشحنات قد يتم، لكن استئناف تدفق الواردات الجديدة سيظل مرهونا بإعادة فتح الممرات البحرية.

ورغم أن موسم الحصاد المحلي للقمح والشعير قد يوفّر إمدادات أساسية خلال الأشهر القليلة المقبلة، فإن هذه الكميات لا تكفي لتغطية كامل الطلب، خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الأعلاف المستوردة. وتأتي هذه التطورات في سياق ضغوط قائمة أصلا، إذ أظهرت بيانات المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية أن إيران سجّلت ارتفاعا في أسعار الغذاء بنسبة 42% على أساس سنوي في سبتمبر 2025، في وقت بقيت معدلات التضخم الغذائي في معظم دول المنطقة دون 2%.

الحياة اليومية.. كلفة الحرب على الإيرانيين

لا تقتصر تداعيات الحرب والحصار على المؤشرات الاقتصادية، بل تنعكس بشكل مباشر على الحياة اليومية للإيرانيين، حيث تتداخل البطالة وارتفاع الأسعار وتراجع النشاط الاقتصادي في مشهد واحد.

يفيد تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية بأن نحو مليوني شخص فقدوا وظائفهم نتيجة الحرب، وفق ما أعلنه نائب وزير العمل، في وقت تتسع موجة التسريحات لتشمل قطاعات متعددة، من الصناعة والتجارة إلى الخدمات والقطاع الرقمي.

ولا تقتصر الخسائر على الوظائف المباشرة، إذ امتدت إلى سلاسل الإمداد والقطاعات المرتبطة، حيث أدت الضربات على منشآت صناعية كبرى وتعطل الواردات عبر مضيق هرمز إلى توقف مصانع عن العمل، ما أجبر شركات على تسريح موظفين أو فرض إجازات غير مدفوعة، بينما أفادت تقارير بأن شركات نسيج سرّحت مئات العمال بسبب عدم قدرتها على استيراد المواد الخام.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

وفي موازاة ذلك، تراجع الإنفاق الاستهلاكي بشكل واضح، مع اتجاه الأسر إلى تقليص نفقاتها إلى الحدّ الأدنى، ما أثّر على قطاعات مثل السياحة والمطاعم والتجزئة، في وقت أدّى انقطاع الإنترنت إلى خسائر إضافية، خاصة في الاقتصاد الرقمي، حيث قُدّرت كلفة كلّ يوم انقطاع بنحو 35 مليون دولار، بإجمالي تجاوز 1.8 مليار دولار خلال أسابيع الحرب.

وتعكس شهادات من داخل إيران صورة أكثر وضوحا لهذا التحول، إذ يشير تقرير لصحيفة لو كوتيديان إلى أن "الجميع يفقد عمله"، مع ارتفاع كبير في معدلات التسريح وازدياد الاعتماد على أعمال غير مستقرّة مثل النقل أو البيع في الشوارع، في ظلّ تضخم مرتفع وصعوبات معيشية متزايدة.

كما يواجه العاملون في التعليم والخدمات الرقمية صعوبات في مواصلة أعمالهم بسبب القيود المفروضة على الإنترنت، ما يزيد من الضغوط على مصادر الدخل.

وفي ظل هذه التطورات، تتقاطع البطالة مع التضخم، حيث تجاوز معدل التضخم الرسمي 50% في مارس 2026، ما يفاقم تآكل القدرة الشرائية ويجعل تأمين الاحتياجات الأساسية أكثر صعوبة، في وقت تشير فيه التقديرات إلى أن استمرار الحرب أو الحصار قد يدفع الأوضاع المعيشية إلى مزيد من التدهور.