لطالما قدّم دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو علاقتهما باعتبارها واحدة من أقوى الشراكات بين رئيس أميركي ورئيس وزراء إسرائيلي، لكن الولاية الثانية لترامب كشفت مراراً أن التحالف الوثيق لا يعني بالضرورة تطابق المصالح.
فقد جاءت آخر مؤشرات التباعد من الضفة الغربية، بعدما أفاد موقع "أكسيوس" بأن إدارة ترامب لم تعارض مبادرة تقودها بريطانيا لفرض عقوبات على كيانات مرتبطة بالتوسع الاستيطاني الإسرائيلي.
ورغم أن هذا التطور لا يعني انقلاباً أميركياً على إسرائيل، لكنه يضاف إلى سلسلة من الخلافات التي ظهرت خلال العامين الماضيين، من غزة إلى سوريا وقطر وإيران، وكشفت عن فجوة بين رغبة ترامب في تحقيق اختراقات سياسية سريعة، وتمسك نتنياهو بحرية الحركة العسكرية الإسرائيلية.
غزة.. ترامب يريد إنهاء الحرب
ظهرت واحدة من أولى علامات التباعد حول استمرار الحرب في غزة. ففي مايو 2025، نقل "أكسيوس" عن مسؤولين في البيت الأبيض أن ترامب أصبح محبطاً من استمرار الحرب، وأن صور معاناة الأطفال الفلسطينيين أثرت فيه، فيما أبلغ مساعدوه نتنياهو بأن الرئيس الأميركي يريد منه إنهاء الحرب.
لكن الخلاف أصبح أكثر وضوحاً خلال مفاوضات وقف إطلاق النار. ففي يوليو 2025، رفض فريق ترامب عملياً خريطة إسرائيلية لإعادة انتشار الجيش خلال هدنة مقترحة لمدة 60 يوماً.
وبحسب الموقع، أبلغ المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف مستشار نتنياهو رون ديرمر أن خريطة تبقي إسرائيل مسيطرة على مساحات واسعة من قطاع غزة غير مقبولة بالنسبة إلى الإدارة الأميركية.
سوريا.. ترامب يطلب من نتنياهو التراجع
وكانت سوريا من أوضح ساحات الخلاف بين الرجلين، فبعد الضربات الإسرائيلية على دمشق ومواقع سورية في يوليو 2025، أكد البيت الأبيض أن ترامب فوجئ بالهجمات ولم يكن راضياً عنها.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض حينها إن ترامب اتصل بنتنياهو من أجل تصحيح الوضع.
إلى أن تصاعد الخلاف لاحقاً مع دعم إدارة ترامب للحكومة السورية الجديدة، في وقت واصلت فيه إسرائيل عملياتها العسكرية داخل الأراضي السورية.
ونقل "أكسيوس" عن مسؤول أميركي قوله إن نتنياهو يتصرف بطريقة قد تقوّض استراتيجية ترامب في سوريا، فيما كانت واشنطن تعمل على تثبيت الحكومة السورية ودفع مسار تفاهم أمني بين دمشق وتل أبيب.
إلى ذلك، لم يكن الخلاف هنا تكتيكياً فقط، فترامب رأى فرصة لإعادة ترتيب سوريا سياسياً وإقليمياً، بينما تعامل نتنياهو معها أساساً من زاوية المخاطر الأمنية على إسرائيل.
قطر.. الضربة التي أغضبت ترامب
ثم جاءت الضربة الإسرائيلية في الدوحة في سبتمبر 2025، حيث استهدفت إسرائيل قيادات من حماس كانت موجودة في قطر، الحليف الرئيسي للولايات المتحدة والوسيط في مفاوضات غزة، ليعلن الرئيس الأميركي حينها أنه لم يكن سعيداً بالهجوم، وقال إنه لم يمنح موافقته عليه.
كما أثار الهجوم غضب فريقه أيضاً، خصوصاً أنه وقع بينما كانت واشنطن تحاول التوصل إلى اتفاق بشأن غزة. ووصلت تداعيات الأزمة إلى حد دفع نتنياهو لاحقاً إلى تقديم اعتذار إلى قطر خلال اتصال أجراه من البيت الأبيض.
إيران.. خلاف على حدود الحرب
حتى إيران تحولت إلى نقطة خلاف. فخلال ضربات الـ2026، اعترض ترامب على استهداف إسرائيل حقل "بارس الجنوبي" للغاز.
وبحسب أسوشييتد برس، لم تكن العملية منسقة مع واشنطن، وطلب ترامب من نتنياهو عدم تكرار مثل هذه التحركات المنفردة. ليظهر في تلك المرحلة اختلاف في أهداف الحرب نفسها.
فبينما ركزت واشنطن على تقليص القدرات النووية والصاروخية الإيرانية والوصول في النهاية إلى مخرج من الحرب، دفعت إسرائيل باتجاه أهداف أوسع، شملت إضعاف النظام الإيراني بصورة أكبر.
وعندما بدأت إدارة ترامب التحرك نحو وقف الحرب، ظهرت اعتراضات داخل الحكومة الإسرائيلية، ما دفع نائب الرئيس جيه دي فانس إلى توجيه انتقادات علنية لبعض المسؤولين الإسرائيليين.
غزة مجدداً.. البيت الأبيض يوبّخ إسرائيل
عاد التوتر في ديسمبر 2025، عندما وجه البيت الأبيض رسالة شديدة اللهجة إلى نتنياهو بعد ضربة إسرائيلية في غزة قتلت قائداً عسكرياً في حماس.
واعتبر مسؤولون في إدارة ترامب العملية انتهاكاً لاتفاق وقف إطلاق النار الذي توسط فيه الرئيس الأميركي.
وبحسب "أكسيوس"، وصل الإحباط من سياسات نتنياهو إلى مسؤولين بارزين في الإدارة، بينهم ماركو روبيو وستيف ويتكوف وجاريد كوشنر.
أيضا أوضحت بعض التقارير حينها أن المشكلة بالنسبة إلى واشنطن كانت تتكرر في أن ترامب يسعى إلى تحويل وقف النار إلى إنجاز سياسي دائم، بينما تحتفظ إسرائيل بحقها في تنفيذ عمليات عسكرية عندما ترى تهديداً أمنياً.
المستوطنات أحدث إشارة.. وأولويات مختلفة
أما اليوم، فانتقل التباين إلى الضفة الغربية، حيث قادت بريطانيا تحركاً دولياً لفرض عقوبات على كيانات مرتبطة ببناء وتوسيع المستوطنات الإسرائيلية، في خطوة أثارت غضب حكومة نتنياهو.
لكن اللافت، بحسب "أكسيوس"، أن إدارة ترامب لم تعارض المبادرة البريطانية، لافتا إلى أن المسألة تكسب أهميتها لأن الاستيطان يمثل أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى حكومة نتنياهو وشركائه من اليمين.
وبالتالي، فإن امتناع واشنطن عن محاولة تعطيل التحرك يمثل أحدث إشارة إلى أن دعم ترامب لإسرائيل لا يعني منح حكومة نتنياهو غطاءً سياسياً مفتوحاً في جميع الملفات.
يذكر أنه ورغم كل هذه الخلافات، لا توجد مؤشرات على انهيار التحالف بين ترامب ونتنياهو أو على تراجع جوهري في الدعم الأميركي لإسرائيل، لكن سلسلة المواجهات تكشف شيئاً آخر.
فترامب يريد إنهاء الحروب وتحويل نتائجها إلى صفقات واتفاقات يستطيع تقديمها كإنجازات سياسية، أما نتنياهو، فيضع حرية الحركة العسكرية في مقدمة أولوياته، حتى عندما تتعارض عملياته مع الجدول السياسي للبيت الأبيض.





