لم تُغلق بوابات المنطقة الخضراء في بغداد هذه المرة لمنع المحتجين من الدخول، بل لمنع كبار المسؤولين والسياسيين من الهرب.

فجر 28 يونيو، تحركت دبابات "أبرامز" الأميركية في الشوارع، وانتشرت قوات مكافحة الإرهاب بملابسها السوداء، قبل أن تبدأ حملة اعتقالات غير مسبوقة كشفت، وفق تحقيق موسع لصحيفة "الغارديان"، جانباً من الإمبراطوريات المالية التي بنتها الأحزاب العراقية داخل مؤسسات الدولة.

مع حلول الصباح، كان نحو 50 شخصاً، بينهم قرابة 12 نائباً ومسؤولون بارزون، قد اعتُقلوا، بينما صادرت القوات مئات الملايين من الدولارات وكميات من الذهب.

كما انتشرت مقاطع تظهر خزائن تُسحب من المنازل وحقائب ممتلئة بالدولارات وأكواماً من المجوهرات، في مشاهد أثارت شماتة واسعة بين العراقيين الذين يرون أن الفساد يجمع معظم القوى الحاكمة منذ عام 2003.

Image 1

واشنطن تدخل على الخط

الجانب الأكثر حساسية في تحقيق "الغارديان" يتعلق بالدور الأميركي. فبحسب مصادر حكومية وبرلمانية وقضائية، بنت واشنطن علاقة مباشرة مع القضاء العراقي بعدما فقدت ثقتها بقدرة السياسيين على تنفيذ الإصلاحات، وأدى المبعوث الأميركي توم باراك دوراً نشطاً في دعم التحركات الجديدة.

وتقول الصحيفة إن المحققين بحثوا طويلاً عن قضية كبيرة تهز الرأي العام من دون أن تؤدي إلى انهيار النظام السياسي بأكمله، فكانت قضية الجميلي الخيار المثالي: تطال شخصيات بارزة، لكنها تتوقف قبل الوصول إلى زعماء الأحزاب الكبرى.

وتسعى الحملة، وفق مصدر حكومي، إلى استعادة الأموال المنهوبة وقطع الصلة بين "المكاتب الاقتصادية" للأحزاب ومؤسسات الدولة.

لكن الاختبار الحقيقي يبقى في ما إذا كانت الاعتقالات ستطال الرؤوس الكبيرة، أم تتحول إلى عملية تجميلية أو تصفية حسابات سياسية جديدة.

ما الجديد؟

ونقلت "الغارديان" عن مصدر حكومي أن ما جرى ليس مجرد حملة تقليدية يطلقها كل رئيس وزراء جديد، بل "زلزال حقيقي" داخل الأوساط السياسية، هدفه توجيه رسالة إلى الجميع بأن الحصانة الحزبية لم تعد مضمونة.

وبحسب المصدر، يحاول رئيس الوزراء علي الزيدي تفكيك الإمبراطوريات المالية للأحزاب، في وقت تعاني فيه خزينة العراق ضغوطاً حادة بعد شبه توقف صادرات النفط بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

كنز مسؤول النفط

بدأت الخيوط باعتقال وكيل وزارة النفط لشؤون المصافي عدنان الجميلي في 30 مايو. ووفق التحقيق القضائي الذي استندت إليه الصحيفة، عُثر في منزله على أسلحة و10 ملايين دولار نقداً وثلاثة مليارات دينار و1.5 كيلوغرام من الذهب، إلى جانب عشرات العقارات.

لكن حجم المضبوطات تضخم لاحقاً بصورة صادمة. فبحلول منتصف يوليو، أعلنت السلطات مصادرة 127 مليار دينار و24 مليون دولار نقداً و375 كيلوغراماً من الذهب و70 عقاراً وعدد من السيارات.

فيما عُثر على أموال مخبأة داخل عبوات مياه ومجارٍ لتصريف الأمطار وجدران ومرطبانات بلاستيكية، بينما اتُّهمت زوجته بمحاولة إحراق سبعة مليارات دينار داخل فرن خارجي.

وكشف الزيدي أمام صحفيين عراقيين أن الجميلي حاول، قبل اعتقاله، دفع رشوة بقيمة 200 مليون دولار للاحتفاظ بمنصبه، بينما تحدثت تقارير أخرى عن عرض ربما بلغ 600 مليون دولار.

كذلك نقلت "الغارديان" عن سياسي عراقي أن الجميلي كان يحوّل ملايين الدولارات إلى مرشحين انتخابيين، مستفيداً من شبكة حماية امتدت إلى أحزاب ومسؤولين كبار.