يقترب العراق مع نهاية سبتمبر أمام استحقاقين كان يفترض أن يسيرا بالتوازي، الأول خروج ما تبقى من القوات الأميركية، والثاني وضع سلاح الفصائل المسلحة خارج إطار الدولة تحت سيطرتها.

وبينما بدأت القوات الأميركية بالفعل حزم معداتها استعداداً لاستكمال الانسحاب بحلول 30 سبتمبر، لا تبدو الفصائل العراقية الأقرب إلى إيران مستعدة لتنفيذ الجزء الثاني من المعادلة.

فبحسب تقرير لوكالة "أسوشيتد برس"، مازالت معظم الفصائل المسلحة على تأكيدها بأنها لا تعتزم التخلي عن أسلحتها، ما يفتح الباب أمام سؤال كبير في بغداد حول ما سيحدث في اليوم التالي لخروج القوات الأميركية.

مئات الجنود يغادرون

قال مسؤول عسكري أميركي للوكالة، إن مئات الجنود الأميركيين الذين لا يزالون متمركزين في شمال العراق سيغادرون بحلول 30 سبتمبر، على أن يُعاد نشر معظمهم في الأردن ودول أخرى في المنطقة.

كما أوضح أن الانسحاب لا يقتصرعلى الجنود، إذ ستسحب الولايات المتحدة أيضاً معدات عسكرية من العراق، بينها أنظمة للدفاع الجوي.

يأتي ذلك في ختام مسار طويل بدأ بالغزو الأميركي للعراق عام 2003، ثم الانسحاب عام 2011، قبل عودة قوات أميركية ضمن التحالف الدولي عام 2014 لمواجهة تنظيم داعش.

ومع تراجع تهديد التنظيم إلى خلايا متناثرة، ترى واشنطن أن وجودها العسكري الحالي لم يعد ضرورياً بالشكل السابق، فيما قد تنتقل العلاقة الأمنية مع بغداد لاحقاً إلى صيغة تعاون أمني ثنائي.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

السلاح لن يرحل معها

المعضلة بالنسبة إلى الحكومة العراقية تبدأ من ملف الفصائل. فقد ربطت بغداد خروج القوات الأميركية بمسار لحصر السلاح بيد الدولة، إلا أن أقوى الفصائل وأكثرها قرباً من إيران رفضت التخلي عن أسلحتها أو وضعت شروطاً يصعب تنفيذها في المدى القريب.

ومن بين هذه الجماعات كتائب حزب الله، وحركة النجباء، وكتائب سيد الشهداء.

كما قال مسؤول في إحدى الفصائل المدعومة من إيران، إن الحديث بعد تنفيذ مجموعة من الشروط، سيكون عن "تنظيم السلاح" وليس تسليمه، مؤكداً أنه لا يوجد قرار لدى الفصائل بالتخلي عن أسلحتها وأنها لم تسلّمها.

وأضاف أن من الشروط التي طرحتها بعض الفصائل، إخضاع قوات البيشمركة الكردية لسيطرة الحكومة المركزية، إضافة إلى إخراج الجماعات الكردية الإيرانية المعارضة وحزب العمال الكردستاني من المناطق التي توجد فيها.

بدوره، قال المحلل العراقي سجاد جياد، متحدثاً في ندوة نظمها مركز الأبحاث الأطلسي الأسبوع الماضي، إنه لن يتم نزع سلاح أي جماعة بحلول 30 سبتمبر.

وأضاف معتقدا أن هذا واضح لأي شخص يتابع السياسة العراقية، وفق تعبيره، في حين وافقت مجموعة من الفصائل الأقل نفوذاً على تسليم أسلحتها.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

بغداد تبحث عن حل وسط

في المقابل، يبدو أن الحكومة العراقية تتحرك باتجاه صيغة مختلفة عن نزع السلاح الكامل، فبحسب مسؤول حكومي تحدث لـ"أسوشيتد برس"، تركز الخطة حالياً على إخضاع الفصائل المسلحة لسيطرة المؤسسة العسكرية العراقية.

كما تشمل الخطة تسليم الأسلحة ذات القدرات المتحركة، ومن بينها الصواريخ والأسلحة بعيدة المدى، إلى القيادة المركزية للحشد الشعبي، مع حل التشكيلات المنفردة وإدخالها تحت قيادة الحشد والجيش العراقي.

رغم هذا، يكتسب الملف حساسية إضافية، وذلك لأن عدداً كبيراً من الفصائل ينتمي بالفعل إلى الحشد الشعبي، الذي يعد رسمياً جزءاً من القوات المسلحة العراقية مع أن بعض فصائله احتفظت بقدرة على التحرك بصورة مستقلة.

وقال المتحدث باسم الحكومة العراقية صباح النعمان، إن النقاشات والحوارات مستمرة، وإن ملف السلاح سيُحسم بعد انسحاب قوات التحالف الدولي.

واشنطن قلقة

لا يعني الانسحاب الأميركي أن واشنطن تعتبر ملف الفصائل منتهياً، فمسؤولون أميركيون لا يزالون قلقين من قدرة الفصائل العراقية المدعومة من إيران على تنفيذ هجمات خارج العراق.

كما أشار مسؤول عسكري أميركي إلى وجود عناصر من الحوثيين داخل العراق، وسط تنسيق شهدته المرحلة الماضية بين فصائل عراقية والحوثيين لتنفيذ هجمات في المنطقة.

لكن هذه المخاوف، بحسب المسؤول الأميركي، ليست كافية لدفع واشنطن إلى تأجيل الانسحاب.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

الوضع في كردستان

يثير خروج القوات الأميركية مخاوف مختلفة في إقليم كردستان، خصوصاً مع سحب أنظمة الدفاع الجوي الأميركية. فالقواعد والمواقع في شمال العراق تعرضت لهجمات خلال الفترة الماضية، فيما لا تقتصر أهداف الفصائل وإيران في الإقليم على القوات الأميركية، بل شملت منشآت للطاقة ومواقع لجماعات كردية إيرانية معارضة وأهدافاً سياسية.

وفي محاولة لسد جزء من الفراغ، تقول الحكومة العراقية إنها تقترب من الحصول على منظومات دفاع جوي جديدة من كوريا الجنوبية وتركيا والولايات المتحدة، على أن يتم توزيعها وفق خطط عسكرية تشمل إقليم كردستان.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

ماذا بعد 30 سبتمبر؟

هكذا يبدو أن نهاية الوجود العسكري الأميركي لن تكون بالضرورة نهاية الأزمة الأمنية المرتبطة بالفصائل. فالقوات الأميركية تستعد للمغادرة، لكن الفصائل الأقوى تتمسك بسلاحها، والحكومة العراقية تحاول الانتقال من شعار "نزع السلاح" إلى صيغة تضع الأسلحة والقرار العسكري تحت سلطة الدولة، وفق الوكالة.

ومع اقتراب الموعد النهائي، لم يعد الملف مرتبطا بخروج الأميركيين بل مال أكثر لما سيجري بعد خروجهم، واحتمال أن تتمكن بغداد من فرض قيادة مركزية على الفصائل.