لم تعد ألمانيا تراقب صعود اليمين المتطرف من خلف حدودها. فالموجة التي سبقتها إلى إيطاليا وفرنسا والنمسا وصلت إلى قلب مشهدها السياسي، بعدما تحول حزب "البديل من أجل ألمانيا" من قوة احتجاجية على الهامش إلى منافس يقترب من أبواب الحكم.
وبعد أسبوعين من حصول الحزب على 44% من الأصوات في ولاية ساكسونيا أنهالت، يتوجه الناخبون في برلين ومكلنبورغ فوربومرن إلى صناديق الاقتراع، الأحد، في اختبار جديد لحجم الاختراق الذي حققه اليمين.
لكن أهمية التصويت تتجاوز تشكيل برلمانين محليين؛ إذ ستكشف نتائجه ما إذا كان "الجدار الناري" الذي أقامته الأحزاب التقليدية حول "البديل" لا يزال قادراً على منعه من الوصول إلى السلطة.
من الاحتجاج إلى المنافسة
تأسس "البديل" عام 2013 معارضاً لسياسات الإنقاذ المالي الأوروبية، قبل انتقاله تدريجياً نحو خطاب أكثر تشدداً بشأن الهجرة والهوية والاتحاد الأوروبي.
وظل سنوات قوة احتجاجية تستقطب الناخبين الغاضبين، خصوصاً في شرق ألمانيا. لكن نتيجته في ساكسونيا أنهالت نقلته إلى مرحلة جديدة، بعدما أصبح قريباً من امتلاك القوة اللازمة للمشاركة في الحكم أو تعطيل تشكيل حكومة من دونه.
ويخضع الحزب لرقابة أجهزة الاستخبارات الداخلية بوصفه جماعة "يُشتبه في تطرفها"، فيما استخدم بعض قادته شعارات نازية وقللوا من أهمية المحرقة. ومع ذلك، لم تتوقف شعبيته عن التوسع.
وتمنح استطلاعات وطنية حديثة الحزب تأييداً يتراوح بين 27 و29%، مقابل 18 إلى 20% لتحالف المستشار فريدريش ميرتس المحافظ، وفق رويترز.
الشرق بوابة الصعود
يجد الحزب بيئته الأكثر خصوبة في شرق ألمانيا، حيث ما زالت آثار إعادة توحيد البلاد حاضرة في الاقتصاد والمجتمع.
فالبطالة أعلى من المتوسط الوطني في بعض الولايات الشرقية، بينما يشعر جزء من السكان بأن مناطقهم دفعت ثمناً كبيراً بعد الوحدة من دون أن تحصل على نفوذ سياسي واقتصادي مماثل للغرب.
ويستثمر الحزب هذه المشاعر، إلى جانب المخاوف من الهجرة وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات. كما يتبنى خطاباً أقرب إلى روسيا وأكثر تشككاً في دعم أوكرانيا، وهو موقف يلقى قبولاً لدى شريحة من ناخبي الشرق.
وفي مكلنبورغ فوربومرن، أظهرت استطلاعات سبقت التصويت تقدم «البديل» بنحو 37%، مقابل 35% للحزب الديمقراطي الاشتراكي. أما حزب ميرتس المسيحي الديمقراطي فتراجع إلى نحو 7%.
برلين تسلك طريقاً مختلفاً
لا يحقق اليمين التقدم نفسه في جميع أنحاء البلاد. ففي برلين، هيمنت أزمة السكن وارتفاع الإيجارات على الحملة الانتخابية، ما منح حزب "دي لينكه" اليساري فرصة للمنافسة على المركز الأول.
ويقترح الحزب وضع نحو 270 ألف شقة مملوكة لشركات عقارية كبرى تحت الملكية العامة، للحد من المضاربات وتوفير مساكن بأسعار مقبولة.
أما "البديل"، فيُرجح أن يحل ثالثاً في العاصمة، رغم ارتفاع شعبيته. وتكشف برلين أن الغضب من القوى التقليدية لا يتجه دائماً نحو اليمين؛ إذ يستطيع اليسار استثماره عندما يركز على الأزمات اليومية.
"الجدار الناري" تحت الضغط
ترفض الأحزاب الرئيسية التحالف مع "البديل"، ضمن سياسة تهدف إلى إبقائه بعيداً عن الحكم. لكن اتساع شعبيته يجعل تطبيقها أكثر تعقيداً.
فكلما ارتفعت حصته، اضطرت الأحزاب الأخرى إلى تشكيل تحالفات واسعة ومتناقضة لمنعه من السلطة. ويستثمر الحزب ذلك لتقديم نفسه بوصفه القوة الوحيدة الموجودة خارج "المنظومة".
وبذلك، قد يتحول "الجدار الناري" إلى عبء على خصومه، ما لم يترافق مع حلول تعالج أسباب الغضب الذي يغذي صعوده.
موجة أوروبية
ما يحدث في ألمانيا جزء من تحول أوسع داخل أوروبا. ففي إيطاليا، وصلت جورجيا ميلوني إلى رئاسة الحكومة عام 2022، وتمكنت من تثبيت موقعها وقيادة أطول الحكومات الإيطالية بقاءً منذ الحرب العالمية الثانية.
وفي النمسا، تصدر حزب الحرية اليميني المتطرف انتخابات 2024 بحصوله على 29.2%، وإن لم يتمكن من قيادة الحكومة. أما في فرنسا، فتحول "التجمع الوطني" بزعامة مارين لوبان إلى قوة رئيسية، بعد تصدره انتخابات البرلمان الأوروبي في البلاد عام 2024.
ورغم اختلاف أحزاب اليمين الأوروبية في الاقتصاد والعلاقة مع روسيا والاتحاد الأوروبي، فإنها تلتقي حول تشديد الهجرة وتعزيز السيادة الوطنية ومعارضة أجزاء من السياسات المناخية والاجتماعية للاتحاد.
أما الاختبار الألماني، فلا يتعلق بقوة "البديل" وحده، بل بقدرة الأحزاب التقليدية على تقديم بدائل تتجاوز عزله سياسياً. فبعدما انتقل اليمين الأوروبي من هامش البرلمانات إلى التأثير في الحكومات، يبقى السؤال: هل تصمد ألمانيا أمام الموجة أم تصبح محطتها التالية؟





