"مضيق هرمز كان على الأرجح موضع تقليل من أهميته".. بهذه العبارة اختصر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بعد أشهر من الحرب مع إيران، ما بات يشكل إحدى أكثر المعضلات إلحاحاً أمام الولايات المتحدة وحلفائها. فطهران التي تعرضت لضربات عسكرية وحصار بحري وجوي، احتفظت بورقة قادرة على إرباك أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
ففي مقابلة مع شبكة ABC News، الثلاثاء، قال ماكرون إن الهدف الرئيسي من اجتماعه مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في نيويورك كان إيجاد "الاتفاق المناسب" لإعادة فتح مضيق هرمز، وسط ارتفاع أسعار البنزين والديزل ووقود الطائرات عالمياً.
لكن اللافت كان توصيف الرئيس الفرنسي لما حدث منذ اندلاع الحرب، إذ قال إن النظام الإيراني "اكتشف أن لديه هذه الورقة بين يديه" عندما بدأت الحرب، في إشارة إلى قدرته على تعطيل الملاحة في المضيق، مضيفاً أن أهمية هرمز "ربما جرى التقليل من شأنها"، وأن الأولوية الآن أصبحت معالجة هذه المشكلة.
ورقة لم تكن في الحسابات؟
لم يكن احتمال استخدام إيران لمضيق هرمز مجهولاً بالنسبة للغرب. فعلى مدى عقود، كان إغلاق الممر أحد أبرز السيناريوهات التي حذرت منها طهران كلما تصاعدت المواجهة بينها وبين الولايات المتحدة.
لكن الحسابات الغربية استندت طويلاً إلى عامل ردع أساسي مفاده أن إغلاق هرمز سيضر إيران نفسها، لأن المضيق يشكل أيضاً منفذاً حيوياً لتجارتها وصادراتها، وأن الكلفة الاقتصادية والعسكرية المترتبة على إغلاقه ستجعل طهران تتردد في الذهاب إلى هذا الخيار.
وبعد اندلاع الحرب في 28 فبراير، تغيرت هذه المعادلة، ففي تحليل نشرته Financial Times في أبريل، قال فيليب غوردون، المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي الأميركي، إن الإدارة الأميركية اعتقدت بعد جولات المواجهة السابقة مع إيران أن طهران قد ترد بالصواريخ الباليستية في المنطقة، لكنها لن تذهب إلى حد إغلاق المضيق.
وبحسب غوردون، فإن الضربات الأميركية والإسرائيلية الواسعة وضعت النظام الإيراني أمام وضع مختلف، إذ لم تعد آلية الردع القديمة تعمل بالطريقة نفسها، بينما وجدت إيران وسيلة لتعطيل حركة خصومها عبر المضيق من دون أن توقف بالضرورة كل صادراتها هي.
وحتى المسؤولون الإيرانيون قدموا لاحقاً الرواية نفسها تقريباً، حيث قال وزير الخارجية عباس عراقجي في مارس، إن الولايات المتحدة وإسرائيل ربما اعتقدتا أن تهديدات إيران بشأن المضيق مجرد "خدعة"، وأن طهران "لن تجرؤ" على تعطيل حركة الملاحة.
أزمة عالمية.. الأرقام لا تكذب
لكن الأرقام لا تكذب، إذ أظهرت بعد أشهر من الحرب حجم التحول، فبيانات الشحن التي نشرتها وكالة "رويترز" الثلاثاء، أظهرت عبور سفينتين تجاريتين كبيرتين فقط المضيق الاثنين، مقارنة بمتوسط بلغ نحو 125 سفينة تجارية كبيرة يومياً قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير.
وفي اليوم نفسه، تعرضت ناقلتان لهجومين منفصلين أثناء وجودهما في المنطقة، ما يعكس أن المشكلة لم تعد مجرد قرار سياسي بفتح الممر أو إغلاقه، بل أيضاً المخاطر الأمنية التي تواجه السفن وشركات التأمين حتى عندما يكون العبور ممكناً.
وهنا تحديداً تظهر قوة الورقة الإيرانية، إذ ليس ضرورياً إغلاق المضيق بشكل محكم حتى يتأثر الاقتصاد العالمي، لأن ارتفاع مستوى المخاطر وحده يمكن أن يدفع شركات الشحن والتأمين إلى الابتعاد عنه، ويقلص حركة ناقلات النفط والغاز.
رغم ذلك، حاول ترامب طوال الأشهر الماضية نزع الصفة الاستراتيجية عن الورقة الإيرانية. ففي أبريل، بعدما شددت طهران قبضتها على حركة الملاحة، قال ترامب إن الإيرانيين "لا يستطيعون ابتزازنا"، مذكراً بأن الولايات المتحدة دمرت أجزاء كبيرة من قدراتهم العسكرية.
وبعد محاولات لإعادة فتح المضيق، أعلن ترامب أن هرمز يجب أن يبقى مفتوحاً ومجانياً أمام الجميع، مؤكداً أن الولايات المتحدة لن تسمح لدولة واحدة بالسيطرة على الممر الدولي.
لكن استمرار الأزمة حتى سبتمبر أعاد هرمز إلى قلب المفاوضات الأميركية الإيرانية، حيث نقلت "رويترز" هذا الأسبوع عن مسؤول إيراني كبير استعداد طهران لإعادة فتح المضيق خلال 7 أيام إذا خففت واشنطن الضغط العسكري ورفعت الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية.
وبذلك تحولت الورقة التي كان الهدف الغربي منع إيران من استخدامها إلى أحد أهم بنود التفاوض معها.
حلول فرنسية
وسط هذا المأزق، تحاول فرنسا الآن فصل قضية هرمز عن بقية الصراع مع إيران.
وبحسب دبلوماسيين تحدثوا لرويترز، بدأت باريس، بالتنسيق مع الولايات المتحدة، إعداد مشروع قرار جديد في مجلس الأمن يهدف إلى إنشاء "مهمة دولية لاستعادة حرية الملاحة عبر المضيق".
وتقوم الفكرة الفرنسية على التعامل مع هرمز باعتباره قضية دولية تتعلق بحرية الملاحة وإمدادات الطاقة، بدلاً من جعله جزءاً من المواجهة السياسية والعسكرية الأوسع مع إيران.
ولهذا يسعى المشروع إلى تجنب مهاجمة طهران مباشرة أو ربط المبادرة بالنزاعات الإقليمية الأخرى، في محاولة للحصول على دعم أوسع داخل مجلس الأمن، ولا سيما بعد اعتراضات روسية وصينية واجهت محاولات سابقة.
كما أن المبادرة ليست الأولى. ففي أبريل، جمعت فرنسا وبريطانيا نحو 51 دولة لبحث إنشاء مهمة متعددة الجنسيات ذات طبيعة دفاعية لحماية الملاحة في المضيق عندما تسمح الظروف الأمنية بذلك. كما أعلنت باريس حينها استعدادها للمشاركة في نظام لمرافقة السفن، مع تأكيدها أنها لا تريد الدخول في عملية عسكرية لفرض فتح المضيق بالقوة أثناء استمرار الحرب.
أقوى من الصواريخ وجزء من أي تسوية
يذكر أن مفارقة هرمز تأتي من أن أهميته لإيران لا تأتي من كونه سلاحاً عسكرياً تقليدياً، فالمضيق يمثل نقطة اختناق جغرافية لا يمكن تغيير موقعها، وتمر عبره نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية.
ولذلك تستطيع طهران، بمجرد رفع مستوى المخاطر حوله، نقل جزء من كلفة الحرب من ساحتها إلى المستهلكين والاقتصادات البعيدة آلاف الكيلومترات عن إيران.
أما بعد أشهر من الحرب، فلم تعد المسألة بالنسبة إلى الغرب كيفية منع إيران من استخدام ورقة هرمز، بل كيفية إقناعها بالتخلي عنها، أو بناء ترتيبات دولية تقلل قدرتها على استخدامها مجدداً، وفق مراقبين.
وبينما تتحرك باريس نحو مجلس الأمن، وتتفاوض واشنطن بصورة غير مباشرة مع طهران، أصبح المضيق نفسه جزءاً من ثمن أي تسوية محتملة.





