ما إن صعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة حتى نهض عشرات المندوبين وغادروا القاعة.
رافق المشهد تصفيق من بعض الحاضرين وهتافات اعتراض من آخرين، بينما بدأ نتنياهو إلقاء كلمته بمهاجمة المنسحبين.
لكن المقاعد التي خلت أمامه أعادت إحياء واحدة من أقدم وسائل الاحتجاج الدبلوماسي في المنظمة الدولية.
لكن لماذا يختار الدبلوماسيون الخروج بدلاً من الرد؟ وهل أصبح الانسحاب جزءاً من تقاليد الأمم المتحدة؟
احتجاج بلا مقاطعة
تصف أستاذة القانون والنزاعات والتنمية العالمية في جامعة ريدينغ، روزا فريدمان، الانسحاب بأنه احتجاج سلمي رمزي. فهو يتيح للوفد إعلان رفضه لسياسة دولة أو لكلام ممثلها، من دون منع المتحدث من إكمال خطابه أو تعطيل أعمال الجلسة.
وتقول فريدمان، في مقابلة أوردتها رويترز، إن هذا النوع من الاحتجاج رافق الأمم المتحدة طوال عقودها الثمانية. وقد تنسحب دولة بسبب حرب أو غزو، أو احتجاجاً على مضمون خطاب، أو بسبب خلاف دبلوماسي يصل إلى حد عدم اعترافها بالدولة التي تتحدث على المنصة.

متى بدأت الانسحابات؟
يستعيد أرشيف رويترز مشهداً من يناير 1950، حين غادر السفير السوفيتي ياكوف مالك جلسة لمجلس الأمن، بعدما اعترض وفده على إجراء اتخذه المجلس.
وفي سبتمبر 1955، خرج وزير الخارجية الفرنسي أنطوان بينيه وأعضاء من الوفد الفرنسي في سياق الخلاف بشأن القضية الجزائرية.
ثم ظهرت مشاهد مماثلة خلال كلمة الزعيم الكوبي فيدل كاسترو عام 1960.
وتورد رويترز هذه الوقائع لتبيّن أن الخروج من القاعة لم ينشأ مع النزاعات الحالية، بل استُخدم منذ السنوات الأولى للمنظمة وسيلةً لإظهار الموقف أمام بقية الوفود والعالم.
وتكرر المشهد في سبتمبر 2011 خلال كلمة الرئيس الإيراني آنذاك محمود أحمدي نجاد. فبحسب أرشيف رويترز، غادر الوفدان الأميركي والفرنسي القاعة، إلى جانب مندوبين آخرين، اعتراضاً على تصريحات تناولت هجمات 11 سبتمبر.

أسبوع واحد.. أكثر من انسحاب
في اجتماعات الجمعية العامة هذا الأسبوع، لم يقتصر استخدام هذه الوسيلة على الاحتجاج على نتنياهو، إذ انسحب الوفد الإسرائيلي خلال كلمة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الثلاثاء، بعدما دعا الدول التي لم تعترف بفلسطين إلى إعادة النظر في موقفها.
وفي اليوم نفسه، غادر أعضاء من الوفد الكوبي القاعة خلال كلمة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عندما تحدث عن الضغوط الأميركية على كوبا ووصفها بأنها "دولة فاشلة".

ولم يكن انسحاب المندوبين خلال كلمة نتنياهو الخميس سابقة، إذ شهدت خطاباته السابقة في الأمم المتحدة مشاهد مماثلة.
ويظهر البحث مغادرة مندوبين القاعة خلال كلمته عام 2024، فيما خرج عشرات المندوبين لدى صعوده إلى المنصة في سبتمبر 2025، أثناء حديثه عن الحرب في غزة ورفض الاعتراف بدولة فلسطينية.
إلا أن كلمة الخميس شهدت أعلى نسبة انسحابات خلال خطاب لنتنياهو في الأمم المتحدة، وفق مقارنة أظهرتها مشاهدات الخطابات السابقة.
ولا يُسقط الانسحاب قراراً، ولا يُلزم المتحدث بتغيير موقفه. لكنه ينتج صورة سياسية يصعب تجاهلها: زعيم يتحدث، ومندوبون يتركون مقاعدهم أمام الكاميرات. وترى فريدمان، وفق رويترز، أن الدبلوماسيين سيواصلون استخدام هذه الوسيلة ما داموا يعتقدون أنها تلفت الانتباه إلى اعتراضاتهم.





