بعد سنوات قضاها نازحاً عاد صُهيب العثمان مع 13 فرداً من أسرته، بينهم ثلاثة أطفال ذوو إعاقة، إلى قريته غدفة في ريف إدلب حيث وجد منزله مدمراً بالكامل.

ولم تكن العودة، بالنسبة إليه، نهاية رحلة النزوح، بل بداية محاولة جديدة للعيش وسط ما تبقى من بيته وقريته، وفق شهادة نقلتها هيومن رايتس ووتش.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

منذ ديسمبر 2024، عاد أكثر من 3.5 مليون لاجئ ونازح سوري إلى مجتمعاتهم. لكن سرعة العودة لم تواكبها سرعة مماثلة في إصلاح المنازل، وشبكات المياه، والكهرباء، والمدارس.

وفي بحث شمل سبع محافظات، وجد تسعة من كل عشرة عائدين - شملهم البحث - نقصاً في الخدمات الأساسية، فيما عاش 71% منهم في مساكن متضررة.

وقال 44% إن الظروف التي واجهوها كانت أسوأ مما توقعوا، بحسب لجنة الإنقاذ الدولية في تقرير نشرته في يوليو٢٠٢٦.

خيام مكان البيوت

في قرية غدفة، تتجاوز الحاجة إعادة بناء الجدران. يقول سكان عادوا من مخيمات النزوح إنهم يشترون المياه المنقولة بالصهاريج، ويجمعون المال لدفع رواتب المعلمين، ويعتمدون على ألواح شمسية فردية بعدما تعطلت شبكة الكهرباء.

فيما تفتقر القرية أيضاً إلى مدارس عاملة وصرف صحي ملائم وخدمات طبية قريبة. بذلك تتحمل الأسر كلفة خدمات لا تستطيع الاستغناء عنها، وفق ما وثقته هيومن رايتس ووتش خلال زيارة ميدانية في مايو ٢٠٢٦.

وقدّر رئيس المجلس البلدي عدد سكان غدفة اليوم بنحو 13 ألف شخص، بعدما كان 8500 قبل الحرب. لكن سبعة منازل فقط، من أصل نحو 1500 منزل، لها أسقف إسمنتية، وفق تقديره.

ونصب كثير من السكان خياماً مكان منازلهم أو فوق مبانٍ فقدت أسقفها. وقال إنه عاد أول مرة، ثم اضطر إلى النزوح مجدداً لأنه لم يجد حتى غرفة يستريح فيها، قبل أن يرجع مع زوجته للعيش في غرفة بلا مطبخ ولا حمام، بحسب شهادته.

ولا تعني أعداد العائدين أن جميعهم استطاعوا الاختيار بحرية. فبعض الأسر عادت بعد تراجع المساعدات، أو ارتفاع الإيجارات، أو تدهور وضعها القانوني في أماكن النزوح.

لذلك وصل عائدون إلى مناطق لم تستعد بعد قدرتها على تأمين السكن والخدمات وسبل العيش، وفق لجنة الإنقاذ الدولية.

Image 1

البيت لمن؟

إذا تجاوزت الأسرة أزمة الماء والكهرباء، فقد تواجه سؤالاً أصعب: هل تستطيع إثبات حقها في المنزل أو الأرض؟

تقول هيومن رايتس ووتش إن قواعد إعادة الإعمار لا تُلزم السلطات والمطورين بالتشاور مع السكان المتضررين، بمن فيهم الذين ما زالوا نازحين، قبل إقرار المشاريع.

كما لا توجد آلية مستقلة متخصصة تتيح لهم الطعن في القرارات المتعلقة بممتلكاتهم، فيما تصعّب متطلبات الوثائق متابعة كثير من المنازعات العقارية.

في حي جوبر شرقي دمشق، حيث دُمّر نحو 95% من المباني، أُبلغ السكان بأنهم لا يستطيعون إعادة البناء بأنفسهم.

Image 1

وبحسب تفاصيل مشروع مقترح، سيحصل مالكو المنازل على وحدات تعادل نصف مساحة منازلهم السابقة، بينما لن يحصل المستأجرون على شيء.

وفي دمشق أيضاً، لا يزال متضررون من مشروع "ماروتا سيتي"، المرتبط بالمرسوم 66 الصادر في عهد النظام السابق، يطالبون بتسوية حقوق الملكية والتعويض.

إعادة الإعمار تحتاج قواعد واضحة

وترى هيومن رايتس ووتش أن إعادة الإعمار تحتاج إلى قواعد تتيح للمتضررين المشاركة قبل اتخاذ القرارات، والتفاوض بشأن التعويض، والاعتراض أمام جهة مستقلة.

فالقرار بشأن حي مدمّر لا يحدد شكل الأبنية الجديدة فحسب؛ بل يحدد أيضاً ما إذا كانت الأسرة التي عاشت فيه ستتمكن من العودة إليه، وما الذي ستحصل عليه إذا تعذرت استعادة منزلها.

وتدعو المنظمة إلى إعطاء الأولوية لإصلاح المياه والكهرباء والمدارس والرعاية الصحية في مناطق العودة الفعلية.

فيما قدّر البنك الدولي كلفة إعادة بناء الأصول المادية المتضررة في سوريا بنحو 216 مليار دولار، تشمل 75 مليار دولار للمباني السكنية.