بعد 3 سنوات على هجوم السابع من أكتوبر 2023، تحل الذكرى هذه المرة على شرق أوسط مختلف جذرياً عن ذلك الذي كان قائماً عشية الهجوم. فالحرب التي بدأت في غزة لم تبق داخل حدود القطاع، بل تمددت تباعاً إلى لبنان وسوريا واليمن وإيران، وصولاً إلى دخول الولايات المتحدة مباشرة في المواجهة مع طهران.
وبينما عاد جميع الرهائن الإسرائيليين من غزة، بقي القطاع مدمراً وتحت سيطرة عسكرية إسرائيلية على مساحات واسعة منه، في وقت وسّعت إسرائيل انتشارها إلى أراضٍ في جنوب لبنان وسوريا.
أما المواجهة مع إيران، فتجاوزت حدود الصراع الإقليمي لتترك آثاراً مباشرة على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، وفقا لصحيفة "واشنطن بوست".
غزة.. الحرب غيّرت القطاع
بدأ التحول في 7 أكتوبر 2023، عندما شنّت حماس وفصائل فلسطينية هجوماً على جنوب إسرائيل، أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص وأسر 251 آخرين.
وردت إسرائيل بحرب واسعة على قطاع غزة، أسفرت، بحسب وزارة الصحة في القطاع، عن مقتل أكثر من 74 ألف فلسطيني، فيما نزح نحو 90% من سكان غزة خلال الحرب، بعضهم مرات عدة.
ورغم دخول وقف لإطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر 2025 وإنهائه أعنف مراحل القتال، لم تتوقف الضربات الإسرائيلية بالكامل.
لكن التغيير الأكبر أصبح جغرافياً. فبعد الانسحاب إلى ما عُرف بـ"الخط الأصفر" عند بدء وقف إطلاق النار، وسّعت إسرائيل نطاق سيطرتها مجدداً، لتصبح القوات الإسرائيلية موجودة في أكثر من نصف مساحة القطاع، فيما تشير تقديرات أخرى إلى أن نطاق السيطرة تجاوز 60%.
بذلك، أصبحت غزة بعد 3 سنوات مختلفة جغرافياً وديموغرافياً عما كانت عليه صباح 7 أكتوبر، مع تدمير أحياء وبلدات كاملة وتعثر عمليات إعادة الإعمار.
أما بالنسبة لإسرائيل، فتحمل الذكرى الثالثة اختلافاً أساسياً آخر بالنسبة إلى إسرائيل، إذ تأتي للمرة الأولى منذ الهجوم من دون وجود أي من رهائن 7 أكتوبر داخل غزة.
فبعد عمليات تبادل وإفراج وعمليات عسكرية لاستعادة بعض الرهائن، عاد آخر الرهائن، أحياء وأمواتاً، لتنتهي واحدة من أكثر القضايا حساسية داخل المجتمع الإسرائيلي.
لكن انتهاء ملف الرهائن لم يغلق ملف 7 أكتوبر داخلياً، إذ تحولت الذكرى إلى محور أساسي في الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر، وسط استمرار الجدل بشأن المسؤولية عن الإخفاق الأمني الذي سبق الهجوم والمطالبة بتشكيل لجنة تحقيق رسمية.
لبنان.. من جبهة مساندة إلى أراضٍ محتلة
لم يحتج انتقال الحرب إلى لبنان سوى يوم واحد تقريباً، حين بدأ حزب الله إطلاق النار باتجاه إسرائيل في أعقاب هجوم حماس، معلناً فتح "جبهة إسناد" لغزة.
ثم تحولت المواجهات الحدودية لاحقاً إلى حرب واسعة، استهدفت خلالها إسرائيل بنية حزب الله وقياداته، قبل أن تدخل قواتها جنوب لبنان.
ورغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في نوفمبر 2024، لم تعد الحدود إلى ما كانت عليه قبل الحرب، إذ تسيطر القوات الإسرائيلية اليوم على مساحات داخل جنوب لبنان، فيما تقول إسرائيل إن وجودها يهدف إلى إقامة منطقة أمنية تمنع حزب الله من الاقتراب من حدودها.
وبحسب تقرير نشرته واشنطن بوست في يونيو، قدرت مساحة الأراضي التي كانت إسرائيل تسيطر عليها في لبنان بنحو 608 كيلومترات مربعة، فيما لا يزال مئات آلاف اللبنانيين بعيدين عن مناطقهم نتيجة الحرب.
سوريا.. سقوط الأسد فتح جبهة جديدة
وصلت ارتدادات التحول الإقليمي إلى سوريا أيضاً، ففي ديسمبر 2024، سقط نظام بشار الأسد بعد هجوم سريع لفصائل المعارضة، مستفيدة من تراجع قدرة حلفائه الأساسيين على دعمه، في وقت كان فيه حزب الله وإيران منشغلين ومُنهكين بالمواجهة الإقليمية، بينما كانت روسيا مركزة على حربها في أوكرانيا.
وبعد سقوط الأسد، تحركت القوات الإسرائيلية داخل المنطقة العازلة في جنوب سوريا وسيطرت على مواقع عسكرية جديدة، معلنة أنها تحتاج إلى منطقة أمنية لمنع تهديدات محتملة قرب الجولان.
وبذلك، أصبحت القوات الإسرائيلية بعد 3 سنوات من 7 أكتوبر موجودة عسكرياً داخل غزة وجنوب لبنان وأجزاء من الأراضي السورية.
مواجهة مباشرة مع إيران
لكن التحول الأوسع حدث في العلاقة بين إسرائيل وإيران، و فبعد سنوات من "حرب الظل" والعمليات السرية والمتبادلة، انتقلت المواجهة تدريجياً إلى ضربات مباشرة منذ عام 2024، قبل أن تتحول لاحقاً إلى حرب مفتوحة استهدفت خلالها منشآت عسكرية ونووية وطاقة داخل إيران.
ولم تبق الولايات المتحدة خارج المواجهة، إذ انضمت إلى إسرائيل في جولتين من الهجمات على البرنامجين العسكري والنووي الإيراني.
الحرب تصل إلى الاقتصاد العالمي
لم تبق آثار المواجهة داخل الشرق الأوسط، حيث أدت الحرب مع إيران والاضطرابات التي طالت حركة الطاقة عبر المنطقة إلى صدمة في أسواق النفط والغاز العالمية.
وحذرت مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا، الأربعاء، من أن صدمة إمدادات الطاقة الناجمة عن صراعات الشرق الأوسط أصبحت أحد التهديدات الرئيسية للنمو العالمي.
كما لا يزال خام برنت يدور قرب 100 دولار للبرميل، فيما تستمر القيود والتهديدات المرتبطة بحركة الشحن عبر مضيق هرمز في الضغط على صادرات النفط والغاز الطبيعي المسال.
أيضا باتت الأزمة التي بدأت بهجوم داخل إسرائيل قبل 3 سنوات عاملاً يؤثر في التضخم وأسعار الطاقة وأسواق السندات والنمو الاقتصادي على بعد آلاف الكيلومترات من الشرق الأوسط.
شرق أوسط مختلف
يذكر أن 7 أكتوبر بدا كأكبر اختراق أمني تتعرض له إسرائيل، لكنه تحول خلال 3 سنوات إلى نقطة انطلاق لسلسلة من الحروب والتحولات التي أعادت رسم جانب من الخريطة السياسية والعسكرية للمنطقة.
وبعد 3 سنوات، لم يعد السؤال متعلقاً فقط بما غيّره هجوم 7 أكتوبر في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل بما تركه من شرق أوسط مختلف عن ذلك الذي كان قائماً في السادس من أكتوبر 2023.
كما أن مجموع التحركات العسكرية منذ أكتوبر 2023، أدى إلى أكبر توسع في مساحة الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل منذ عقود، حيث قدرت تقارير نشرت هذا العام مجموع الأراضي التي سيطرت عليها إسرائيل في غزة ولبنان وسوريا بنحو ألف كيلومتر مربع.
وتصف إسرائيل هذه المناطق بأنها "مناطق عازلة" ضرورية لمنع تكرار هجمات مشابهة لهجوم 7 أكتوبر، بينما تطالب الحكومتان اللبنانية والسورية بانسحاب القوات الإسرائيلية من أراضيهما.





