شكّل هجوم السابع من أكتوبر 2023 نقطة تحوّل كبرى لشبكة الحلفاء التي بنتها إيران على مدى عقود في المنطقة. فمن غزة إلى لبنان وسوريا والعراق واليمن، امتلكت طهران قبل الهجوم مجموعة من الحلفاء المسلحين القادرين على تهديد إسرائيل والمصالح الأميركية، فيما بقيت إيران نفسها إلى حد كبير خلف خطوط المواجهة.

لكن بعد 3 سنوات، تبدو الخريطة مختلفة إلى حد بعيد. فقد تلقت حماس ضربات قاسية في غزة وخسرت أبرز قادتها، وتعرض حزب الله لضربات استهدفت قيادته وبنيته العسكرية، وسقط نظام بشار الأسد في سوريا، فيما تواجه الفصائل العراقية ضغوطاً لنزع سلاحها وحصره بيد الدولة، وفقا لصحيفة "واشنطن بوست".

في المقابل، بقي الحوثيون من أكثر مكونات الشبكة الإيرانية قدرة على مواصلة القتال وتهديد الملاحة والمنطقة، رغم الضربات التي تعرضوا لها، فيما تحولت إيران نفسها من إدارة المواجهة عبر حلفائها إلى طرف في حرب مباشرة مع إسرائيل والولايات المتحدة.

حماس.. من هجوم 7 أكتوبر إلى حرب البقاء

بدأت شرارة التحول من غزة، عندما نفذت حماس وفصائل فلسطينية في 7 أكتوبر 2023 هجوماً واسعاً على جنوب إسرائيل، أسفر بحسب السلطات الإسرائيلية عن مقتل نحو 1200 شخص وأسر 251 آخرين.

ثم ردت إسرائيل بحرب واسعة على قطاع غزة، استهدفت خلالها القيادة والبنية العسكرية لحماس. وخلال الحرب، خسرت الحركة مجموعة من أبرز قادتها، بينهم يحيى السنوار ومحمد الضيف، إلى جانب عدد كبير من القيادات العسكرية والميدانية، بحسب الصحيفة.

لكن بعد 3 سنوات، لم تختف حماس من غزة. فرغم الخسائر التي تعرضت لها الحركة، لا تزال موجودة تنظيمياً وعسكرياً، فيما تواصل إسرائيل عملياتها داخل القطاع رغم وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2025.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

وباتت إسرائيل تسيطر حالياً على نحو ثلثي مساحة قطاع غزة، وفق وكالة رويترز، في وقت تجاوزت حصيلة القتلى الفلسطينيين منذ بداية الحرب 74 ألفاً بحسب سلطات الصحة في غزة. كما تعثرت إعادة الإعمار وبقيت ملفات أساسية من اتفاق وقف إطلاق النار من دون حل.

وهكذا تحولت حماس من حركة فجرت أكبر مواجهة إقليمية منذ سنوات، إلى تنظيم يقاتل للحفاظ على وجوده ونفوذه داخل قطاع تعرض لدمار واسع.

حزب الله.. الضربة الأكبر

مثّل حزب الله قبل 7 أكتوبر أقوى حليف مسلح لإيران في المنطقة، وشكلت ترسانته العسكرية وقدراته الصاروخية جزءاً أساسياً من استراتيجية الردع الإيرانية تجاه إسرائيل.

لكن الحزب فتح جبهة جنوب لبنان في أعقاب هجوم حماس، معلناً "إسناد غزة"، واستمرت المواجهات الحدودية قرابة عام قبل أن توسع إسرائيل عملياتها العسكرية ضد الحزب.

ثم استهدفت إسرائيل خلال التصعيد قيادات الحزب وبنيته العسكرية وشبكة اتصالاته، كما قُتل أمينه العام حسن نصرالله وعدد من كبار قادته، قبل أن تدخل القوات الإسرائيلية جنوب لبنان، وفقا لـ"واشنطن بوست".

وانتهت الحرب باتفاق لوقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، لكنها تركت حزب الله أمام واقع عسكري وسياسي مختلف، بعد خسارته جزءاً مهماً من قيادته وبنيته العسكرية وتعرض مناطق واسعة في لبنان للدمار.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

سوريا.. سقوط الحلقة التي ربطت طهران ببيروت

لم تكن سوريا بالنسبة إلى إيران مجرد حليف سياسي، بل شكلت لسنوات جزءاً أساسياً من شبكة النفوذ الإيرانية وممراً استراتيجياً يصل إيران وحلفاءها في العراق بحزب الله في لبنان.

لكن هذه الحلقة تلقت ضربة حاسمة في ديسمبر 2024، عندما سقط نظام بشار الأسد بعد تقدم فصائل المعارضة نحو دمشق.

وجاء سقوط الأسد في وقت كان فيه أبرز حلفائه في وضع أضعف من السابق، إذ كان حزب الله قد تعرض لخسائر كبيرة في حربه مع إسرائيل، وكانت إيران تحت ضغط المواجهة الإقليمية، بينما بقيت روسيا منشغلة بحربها في أوكرانيا.

كما اعتبر سقوط الأسد ضربة استراتيجية لطهران، ليس فقط لأنها خسرت حليفاً حكم سوريا لعقود، وإنما لأن سوريا كانت ممراً أساسياً في شبكة الإمداد والنفوذ التي ربطت إيران بحزب الله، بحسب الصحيفة ذاتها.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

وبذلك فقدت شبكة إيران واحدة من أهم حلقاتها الجغرافية والاستراتيجية التي كانت قائمة عشية 7 أكتوبر 2023.

الفصائل العراقية أمام سحب السلاح

دخلت الفصائل العراقية الموالية لإيران المواجهة بعد 7 أكتوبر تحت مظلة "المقاومة في العراق"، وأعلنت خلال السنوات التالية تنفيذ عشرات الهجمات بالصواريخ والمسيّرات على إسرائيل والقوات الأميركية في العراق وسوريا.

لكن العراق لم يتحول إلى جبهة مفتوحة بحجم غزة أو لبنان، في ظل محاولات الحكومة العراقية تجنب جر البلاد إلى مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران وحلفائها.

إلى أن رفعت بغداد خلال العام الجاري مستوى الضغط لحصر السلاح بيد الدولة. وبعد تعهد حكومي بنزع سلاح الجماعات المسلحة، رفضت 5 فصائل مرتبطة بإيران مهلة 30 سبتمبر لتسليم أسلحتها وحل تشكيلاتها أو الاندماج في القوات الأمنية الرسمية.

وبالتالي، لم تفقد إيران ورقتها العراقية نهائيا لكنها تواجه مساحة سياسية أضيق وضغوطاً حكومية متزايدة على شرعية السلاح خارج مؤسسات الدولة.

الحوثيون.. الاستثناء داخل المحور

برز الحوثيون في اليمن بوصفهم أحد أكثر مكونات الشبكة الإيرانية قدرة على الاستمرار في القتال بعد 7 أكتوبر. ودخلت الجماعة المواجهة الإقليمية بإطلاق صواريخ ومسيّرات وشن هجمات على السفن في البحر الأحمر، معلنة أن عملياتها تأتي "دعماً لغزة".

وأدت الهجمات إلى اضطراب أحد أهم طرق التجارة البحرية في العالم، ودفعت الولايات المتحدة وحلفاءها إلى تنفيذ عمليات عسكرية وضربات ضد مواقع الحوثيين في اليمن.

لكن الجماعة بحسب "واشنطن بوست"، احتفظت بقدرات صاروخية ومسيّرة، وعادت خلال 2026 إلى تحقيق تقدم ميداني في اليمن، وصولاً إلى مناطق استراتيجية قرب البحر الأحمر وباب المندب، قبل أن تشن القوات الحكومية هجوماً مضاداً واسعاً لاستعادة تلك المناطق.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

إيران.. الحرب تصل إلى صاحب المحور

أما التحول الاستراتيجي الأكبر، فحدث لإيران نفسها، حيث قامت إحدى الوظائف الأساسية لشبكة الحلفاء التي بنتها طهران على امتلاك أدوات ضغط وردع خارج الأراضي الإيرانية، بحيث يستطيع حلفاؤها استهداف خصومها في المنطقة من دون تحول إيران في كل مرة إلى ساحة حرب مباشرة.

لكن بعد 7 أكتوبر انهارت تدريجياً الحدود بين حرب الوكلاء والمواجهة المباشرة. فتبادلت إيران وإسرائيل ضربات مباشرة ابتداء من 2024، قبل أن تتوسع المواجهة لاحقاً إلى حرب أكبر استهدفت الأراضي والمنشآت والقيادات الإيرانية نفسها.

ووفق "واشنطن بوست"، تطور الصراع أكثر مع دخول الولايات المتحدة مباشرة في الحرب إلى جانب إسرائيل واستهدافها إيران، ما وضع طهران أمام السيناريو الذي كان يفترض أن تساعد شبكة حلفائها في ردعه أي انتقال الحرب إلى الأراضي الإيرانية نفسها.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

انتهى المحور أم تغير؟

بعد 3 سنوات على 7 أكتوبر، لا تدعم الوقائع القول إن شبكة إيران اختفت بالكامل، فحماس لا تزال موجودة في غزة، وحزب الله لم يُنزع سلاحه بالكامل، والفصائل العراقية ما زالت تمتلك عشرات آلاف المقاتلين، فيما يحتفظ الحوثيون بقدرات عسكرية تسمح لهم بمواصلة الحرب وتهديد أهداف إقليمية.

لكن الشبكة التي كانت قائمة عشية 7 أكتوبر تغيرت بصورة جوهرية، إذ فقدت إيران نظام الأسد والحلقة السورية، وتعرض حزب الله وحماس لخسائر قيادية وعسكرية كبيرة، وازدادت الضغوط على الفصائل العراقية، بينما بقي الحوثيون أحد أكثر مكونات الشبكة نشاطاً.

لذلك، قد لا يكون 7 أكتوبر قد أنهى "المحور الإيراني"، لكنه، وفق الصحيفة، مثّل بداية تحول عميق في تركيبته ووظيفته. فالشبكة التي صممتها طهران لتوسيع نفوذها وردع خصومها من خارج حدودها أصبحت بعد 3 سنوات أقل ترابطاً، فيما وجدت إيران نفسها طرفاً مباشراً في الحرب التي سعت طويلاً إلى إبقائها بعيدة عن أراضيها عبر الأذرع أو الوكلاء.