بعد 3 سنوات على هجوم السابع من أكتوبر 2023، لم يعد السؤال داخل إسرائيل مقتصراً على كيفية وقوع أكبر اختراق أمني في تاريخها، بل انتقل إلى زاوية أخرى مفادها احتمال أن تكون إسرائيل قادرة فعلاً على منع مفاجأة مشابهة، وتحديد الجبهة التي يمكن أن تأتي منها هجمات المرة المقبلة.
وقد كشف هجوم حماس أن المشكلة لم تكن في السياج الحدودي وحده، بل في منظومة كاملة من التقديرات الاستخباراتية والاعتماد على التكنولوجيا والافتراض بأن الخصم لا يريد حرباً شاملة.
أما المؤسسة العسكرية الإسرائيلية فتحاول بعد 3 سنوات، تغيير هذه المعادلة عبر قوات أكبر واستخبارات بشرية أوسع ومناطق أمنية تمتد إلى ما وراء الحدود، وفقا لصحيفة "جوراليزم بوست".
كما لم تعد المراجعة الإسرائيلية تقتصر على غزة. إذ يراجع الجيش سيناريوهات التهديد على جبهات لبنان وسوريا والضفة الغربية، انطلاقاً من درس أساسي تركه 7 أكتوبر مفاده أن الحدود التي تبدو هادئة اليوم قد تصبح مصدر المفاجأة غداً.
غزة.. الجبهة التي صنعت المفاجأة
تبقى غزة نقطة البداية في المراجعة الأمنية الإسرائيلية. ففي صباح 7 أكتوبر 2023، تمكن آلاف المقاتلين من اختراق الحدود والوصول إلى بلدات وقواعد عسكرية إسرائيلية، في وقت كان فيه عدد القوات الموجودة في المنطقة أقل بكثير من حجم القوة المهاجمة.
وبعد 3 سنوات، تغير الواقع العسكري بصورة جذرية. إذ يسيطر الجيش الإسرائيلي حالياً على نحو 63% من مساحة قطاع غزة، وفق "جيروزاليم بوست"، ما يسمح له بمراقبة تحركات حماس من مواقع داخل القطاع بدلاً من الاكتفاء بمراقبتها من الجانب الإسرائيلي للحدود.
كما تغير أيضاً أسلوب جمع المعلومات. ففي 7 أكتوبر، لم تكن الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية تمتلك، وفق الصحيفة، مصادر بشرية تعمل داخل غزة، واعتمدت بصورة كبيرة على الاستخبارات الإلكترونية والتنصت والمراقبة التكنولوجية.
ومنذ الحرب، توسع نشاط الوحدة 504 التابعة للاستخبارات العسكرية والمسؤولة عن تشغيل المصادر البشرية، بالتوازي مع زيادة استخدام المسيّرات والمراقبة الجوية ووسائل جمع المعلومات الأخرى.
لكن السيطرة الواسعة داخل غزة تخلق بدورها تحدياً آخر. فكلما تراجعت قدرات حماس واتسعت حرية حركة الجيش، ازداد خطر عودة الشعور بأن الحركة لم تعد قادرة على تنفيذ عملية واسعة، وهو النوع نفسه من الثقة الذي ساهم في سوء قراءة نواياها قبل 7 أكتوبر.
لبنان.. حزب الله أضعف لكن السيناريو باقٍ
على الحدود الشمالية، تغير ميزان القوى بصورة كبيرة مقارنة بما كان عليه قبل 3 سنوات. فقد تعرض حزب الله لضربات استهدفت قيادته وبنيته العسكرية وقدراته في جنوب لبنان خلال الحرب مع إسرائيل.
وبعد الحرب، أبقت إسرائيل قواتها في مواقع داخل جنوب لبنان وأقامت منطقة أمنية تمنح الجيش، وفق المنظور الإسرائيلي، مسافة أكبر عن البلدات الحدودية وقدرة على رصد أي تحرك قبل وصوله إلى الأراضي الإسرائيلية.
لكن الجيش لا يعتبر تراجع حزب الله ضمانة تمنع هجوماً مستقبلياً. فقد أصبحت إحدى خلاصات 7 أكتوبر أن الاستعداد يجب ألا يبنى على تقدير ما إذا كان الخصم "يريد" الحرب، بل على ما يمتلكه من قدرات لتنفيذها.
ولهذا أعلن رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير أن حجم القوات المنتشرة والاستعدادات على الحدود يجب أن تحدد بناء على "قدرات الخصم وليس نواياه"، في تغيير مباشر للعقيدة التي ساهمت في تقدير أن حماس غير معنية بحرب واسعة قبل 7 أكتوبر.
سوريا.. حدود جديدة بعد سقوط الأسد
أما سوريا، فتحولت خلال السنوات الثلاث من جبهة تراقبها إسرائيل خلف خط وقف إطلاق النار إلى منطقة تنتشر فيها قوات إسرائيلية داخل الأراضي السورية نفسها.
فبعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، تحرك الجيش الإسرائيلي داخل المنطقة العازلة وأقام مواقع عسكرية ومناطق أمنية، معتبراً أن الانتشار يمنحه عمقاً أكبر لمنع أي جماعات مسلحة من الوصول إلى حدود الجولان.
ويعني ذلك أن إسرائيل لم تعد تعتمد فقط على السياج أو الاستخبارات لرصد أي تهديد قادم من سوريا، وإنما نقلت جزءاً من خط دفاعها إلى داخل الأراضي السورية.
لكن بقاء هذه المواقع ليس مضموناً على المدى الطويل، إذ تواجه إسرائيل ضغوطاً أميركية للانسحاب من أجزاء من المناطق التي تسيطر عليها في سوريا.
وهنا يظهر تحدٍ جديد أمام الجيش، ففي حال عادت القوات الإسرائيلية مستقبلاً إلى خطوط أقرب إلى الحدود، لا أحد يعلم إن كانت تستطيع الحفاظ على مستوى الإنذار والقدرة على منع تسلل أو هجوم مفاجئ من الجبهة السورية، وفق التقرير.
الضفة الغربية.. قوات أكثر من قبل 7 أكتوبر
في الضفة الغربية، اختارت إسرائيل، وفق التقرير، تعزيز وجودها العسكري بصورة كبيرة. فقبل 7 أكتوبر، كان الجيش يحتفظ بنحو 11 كتيبة في الضفة، بينما ارتفع العدد حالياً إلى نحو 25 كتيبة.
كما يحتفظ الجيش بوجود عسكري واسع في مناطق مثل جنين وطولكرم ومخيم نور شمس، في إطار محاولاته لمنع تشكل مجموعات مسلحة قادرة على تنفيذ عمليات أوسع.
لكن المخاوف تختلف في الضفة عن سيناريو غزة. فالمنطقة لا تقع خلف سياج حدودي منفصل، بل تتداخل فيها المدن والبلدات الفلسطينية مع المستوطنات والطرق والقواعد والقوات الإسرائيلية، ما يجعل أي تصعيد واسع مختلفاً في طبيعته عن اجتياح الحدود الذي حدث في 7 أكتوبر.
وتضع التقديرات الإسرائيلية الضفة ضمن أكثر الجبهات حساسية حالياً بسبب انتشار السلاح والتوتر الأمني والسياسي، إلى جانب مخاوف من وصول أسلحة إضافية عبر عمليات التهريب من الشرق.





