مع تصاعد الأحداث والملفات ذات البعد الديبلوماسي في العراق، وآخرها واقعة التجاوز على العلم الأميركي في العاصمة وما تبعها من فتح تحقيقٍ واتخاذ إجراءاتٍ قانونية، يبرز مجدداً غياب متحدّث رسمي باسم وزارة الخارجية العراقية، وسط تساؤلات عن آلية تواصل الوزارة وإيصال موقف بغداد إلى الرأي العام والجهات الديبلوماسية، ليبقى السؤال قائماً لاسيما مع التطوّرات المتسارعة في الآونة الأخيرة: لماذا لا تزال الخارجية العراقية من دون متحدّث رسمي حتى الآن؟
من متحدث إلى مكتب
وتعود مسألة المتحدّث الرسمي باسم الخارجية العراقية إلى الواجهة من حين لآخر، خصوصاً مع كلّ أزمة تتطلب موقفاً دبلوماسياً سريعاً، فقد كانت الوزارة تعتمد في السنوات الماضية على متحدّثٍ رسمي يتولى نقل مواقفها إلى وسائل الإعلام وتوضيح سياساتها الخارجية، قبل أن يغيب هذا الدور عن المشهد ويحلّ مكانه مكتب إعلامي يتولى إصدار البيانات الرسمية.
ويأتي غياب المتحدّث الرسمي في وقتٍ أصبحت فيه الخارجية العراقية أمام ملفات أكثر تعقيداً، تشمل علاقات بغداد مع دول الجوار، ووجود القوات الأجنبية، ومواقف العراق من التطورات الأمنية في المنطقة، فضلاً عن ملف سلاح الفصائل المسلحة وعلاقة بغداد بالقوى الدولية، إذ تفرض هذه الملفات على الحكومة تقديم رسائل رسمية متسقة، خصوصاً عندما تتقاطع المواقف الديبلوماسية مع الملفات الأمنية والسياسية الداخلية.

خلاف حال دون التعيين
وبحسب مصدر ديبلوماسي عراقي، كانت وزارة الخارجية قد اتجهت في وقت سابق إلى تعيين متحدّثٍ باسمها، بالتزامن مع ملف انسحاب التحالف الدولي من العراق وما رافقه من جدل بشأن سلاح الفصائل المسلحة، وهي ملفات تفرض على بغداد تقديم توضيحات مستمرة للمجتمع الدولي، إلا أن قرار تعيين المتحدّث تأجل مجدداً.
ويكشف المصدر الديبلوماسي لبلينكس أن خلافاتٍ بين رئيس الحكومة علي الزيدي ونائبه وزير الخارجية فؤاد حسين تحول دون تعيين متحدّثٍ رسمي باسم الخارجية، رغم الحاجة إلى هذا المنصب في ظل التطوّرات المتسارعة التي تتطلب مواقف واضحة من بغداد.

"يغرّد خارج السرب"؟
وبحسب المصدر، تتمحور الخلافات حول غياب رؤية موحدة بين رئاسة الحكومة ووزارة الخارجية، إذ إن الوزير، وفق وصف المصدر، "يغرّد خارج السرب" في بعض الملفات، مشيراً إلى أن تصريحاتٍ لحسين بشأن استهداف دول الجوار من داخل الأراضي العراقية، والتي أقرّ فيها بوجود هذا الأمر، وضعت رئيس الحكومة في موقف حرج.
ويرى المصدر أن هذه الخلافات أسهمت في تأجيل تعيين المتحدّث، خشية حدوث تضاربٍ بين المواقف التي تصدر عن وزارة الخارجية وتلك التي تعلنها رئاسة الحكومة، خاصة في الملفات الإقليمية.
"الإطار التنسيقي" يتحفظ
ولا تقتصر الإشكالية، وفق المصدر، على الخلاف بين رئاسة الحكومة ووزارة الخارجية، إذ إن "الإطار التنسيقي"، وهو التحالف السياسي الأبرز الداعم للحكومة، يبدي تحفظات على أداء وزير الخارجية، ولا سيما في ما يتعلق بموقف الحكومة من سلاح الفصائل المسلحة المدعومة من إيران.
ويقول المصدر إن هذا الملف كان أحد أسباب عدم المضي في تعيين متحدّثٍ باسم الوزارة، في ظل تفضيل الإطار التنسيقي أن يقتصر الإعلان عن المواقف الرسمية على متحدّثٍ باسم الحكومة، بما يضمن توحيد الرسائل الصادرة عن السلطة التنفيذية.
الموقف المتأخر
في المقابل، يفضّل وزير الخارجية، بحسب المصدر، الإبقاء على مكتبٍ إعلامي يتولى إصدار البيانات والتوضيحات الصحافية، بدلاً من تعيين متحدّثٍ رسمي قد تثير تصريحاته تأويلات أو تستدعي توضيحات إضافية من الوزارة.
لكن هذا الخيار يواجه بدوره إشكاليات داخل الوزارة، وفق المصدر الديبلوماسي نفسه، الذي أوضح أن مدير المكتب الإعلامي الحالي نُقل من داخل الوزارة إلى بعثة ديبلوماسية في دولة عربية، ويواصل متابعة عمله من هناك.
ويضيف المصدر أن هذا الوضع يؤدي في بعض الأحيان إلى تأخّر صدور الموقف الرسمي لبغداد بشأن بعض القضايا، نتيجة عدم وجود تواصل مباشر ومستمر بين الوزير ومدير المكتب، في وقتٍ تتطلب فيه الملفات الديبلوماسية سرعة في إصدار المواقف والتوضيحات.
مشكلة أخرى.. طائفية
ويكشف المصدر عن إشكالية أخرى، فالوزارة تضم أربعة وكلاء، اثنين شيعة وسنياً وكردياً، وقد انعكست هذه التركيبة على الخلاف بشأن هوية المتحدث أو المسؤول الإعلامي المرتقب، ما أدى إلى استمرار شغور هذا المنصب.
وفي النظام السياسي العراقي، تتوزع عملية صناعة القرار بين مؤسسات الدولة والقوى السياسية المشاركة في السلطة، فيما تتولى وزارة الخارجية إدارة العلاقات الدبلوماسية وإعلان المواقف الرسمية في القضايا الخارجية.
ويترك غياب متحدّثٍ باسم الوزارة البيانات والتصريحات موزعة بين الوزير والمكتب الإعلامي ورئاسة الحكومة، وهو ما قد يفتح المجال أمام تعدد الرسائل الرسمية بشأن القضية الواحدة.
وبين الخلاف السياسي بين الحكومة والخارجية، والرغبة في حصر الرسائل الرسمية بيد الحكومة، والإشكالات الإدارية والمحاصصة داخل الوزارة، يبقى منصب المتحدّث باسم الخارجية العراقية شاغراً، في وقت تتزايد فيه الملفات الإقليمية والدولية التي تتطلب من بغداد مواقفِ سريعة وواضحة.





