لم تعد عودة إيلون ماسك إلى دائرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مجرد صفحة جديدة في علاقة شخصية وسياسية شهدت واحدة من أكثر القطيعات صخبا في واشنطن.
فبعدما تحول الرجلان في صيف 2025 من حليفين إلى خصمين علنيين، يعود ماسك اليوم إلى البيت الأبيض مكرّما بأرفع وسام علمي أميركي، فيما يضخ إمبراطوريته السياسية والمالية مجددا لدعم الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
وفي وقت يحتاج فيه ترامب والحزب الجمهوري إلى كل دعم ممكن قبل انتخابات 3 نوفمبر، تبدو المصالحة بين الرجلين مرتبطة أيضا بحسابات سياسية تتجاوز الخلاف السابق.
من الحليف الأبرز إلى الخصم
كانت علاقة ترامب وماسك في ذروتها خلال انتخابات 2024. أنفق ماسك مئات ملايين الدولارات عبر لجان سياسية مؤيدة لترامب، وأصبح من أبرز داعمي حملته، قبل أن ينتقل بعد تنصيب ترامب إلى موقع قريب من البيت الأبيض ويشارك في جهود خفض الإنفاق الحكومي.
لكن التحالف انهار سريعًا في 2025، وبدأ الخلاف علنًا على خلفية مشروع قانون ترامب الضخم للضرائب والإنفاق، الذي وصفه ماسك بأنه إنفاقي ومضر بالمالية الأميركية.
وتصاعدت المواجهة عبر منصة "إكس"، قبل أن يتبادل الطرفان الاتهامات والتهديدات، بما في ذلك تهديد ترامب بمراجعة أو إنهاء العقود الحكومية المرتبطة بشركات ماسك.
ولم تستمر القطيعة من دون محاولات للتهدئة. ففي يونيو 2025، اتصل ماسك بترامب وأقر لاحقًا بأنه ذهب بعيدًا في بعض انتقاداته، وهو ما اعتبره البيت الأبيض آنذاك إشارة إلى بداية تراجع حدة الخلاف.
المصالحة تعود من بوابة الانتخابات
لكن إعادة بناء العلاقة احتاجت إلى أكثر من مكالمة اعتذار، فبحسب وول ستريت جورنال، شهد عام 2026 جهودًا لإعادة وصل الرجلين، شارك فيها حلفاء مشتركون ونائب الرئيس جيه. دي. فانس، قبل أن تعود الاتصالات بينهما تدريجيا.
وكان أحد أهم التحولات إعلان ماسك استعداده مجددًا لدعم الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي، بعد أن كان قد لمح إلى تقليص انخراطه في السياسة. ووفق الصحيفة، يخطط ماسك لإنفاق ما لا يقل عن 100 مليون دولار لمساعدة الجمهوريين في انتخابات نوفمبر.
وبحسب رويترز، تستعد لجنة America PAC المرتبطة بماسك لإنفاق يصل إلى 120 مليون دولار على جهود حشد الناخبين الجمهوريين، مع تركيز على السباقات المتقاربة.
أموال ماسك تدخل السباقات الحاسمة
لم يبقَ الأمر في إطار التعهدات، فبحسب بيانات تمويل الحملات التي راجعتها "وايرد"، أنفقت America PAC حتى 6 أكتوبر نحو 26.7 مليون دولار في انتخابات 2026، ذهب نحو 21 مليون دولار منها إلى سبعة سباقات لمجلس الشيوخ توصف بأنها شديدة التنافس.
وتظهر البيانات أن اللجنة تركز بدرجة كبيرة على مهاجمة المرشحين الديمقراطيين، فيما يذهب أكثر من 75% من إنفاقها في سباقات مجلس الشيوخ إلى الدفاع عن مقاعد يسيطر عليها الجمهوريون.
وكانت رويترز قد وثقت في سبتمبر بدء تدفق أموال ماسك فعليًا إلى السباقات المتقاربة، بعدما أنفقت America PAC أكثر من 800 ألف دولار على أكثر من 12 سباقًا للكونغرس، مع تركيز على ولايات ودوائر تنافسية.
ترامب يحتاج المال.. والجمهوريون يواجهون اختبارا صعبا
تأتي عودة ماسك في لحظة حساسة بالنسبة إلى ترامب وحزبه. فالجمهوريون يخوضون انتخابات نوفمبر للدفاع عن سيطرتهم على الكونغرس، فيما تظهر مؤشرات على أن بعض المرشحين الجمهوريين في الدوائر الأكثر تنافسية يحاولون خلق مسافة بينهم وبين الرئيس.
وفي أحدث مراجعة لها، وجدت رويترز أن مرشحين جمهوريين في 41 من أصل 62 سباقًا تنافسيًا لمجلسي الشيوخ والنواب اتخذوا مسافة عن ترامب في بعض السياسات أو قللوا من إبراز ارتباطهم به.
وأظهر استطلاع رويترز/إبسوس المصاحب للتحليل أن نسبة تأييد ترامب بلغت 32% بين الناخبين المسجلين، مع تقدم الديمقراطيين على الجمهوريين في نوايا التصويت العامة للانتخابات النصفية.
وفي هذا المشهد، يمثل ماسك مصدرًا مختلفًا للدعم: المال، والقدرة على الوصول إلى جمهور واسع عبر "إكس"، وشبكة سياسية سبق أن أثبتت قدرتها على ضخ الأموال في السباقات الانتخابية.
من الخلاف إلى المصالح المشتركة
لا يعني ذلك أن علاقة ترامب وماسك عادت بالضرورة إلى ما كانت عليه في 2024. فبحسب وول ستريت جورنال، لا يزال الطرفان أقل قربًا مما كانا عليه سابقًا، لكنهما عادا إلى التواصل، بما في ذلك مناقشة ملفات مثل الذكاء الاصطناعي والصين والتطورات الدولية.
كما أن مصالحهما المتبادلة أصبحت أوضح: ترامب يحتاج إلى دعم سياسي ومالي في انتخابات حاسمة، فيما يعتمد ماسك وشركاته، ولا سيما "سبايس إكس"، على علاقات وعقود حكومية واسعة.
وبالتزامن مع ذلك، عاد ماسك إلى الواجهة في البيت الأبيض من بوابة مختلفة تمامًا عن السياسة.
التكريم يطوي صفحة القطيعة؟
الخميس، يعتزم ترامب منح ماسك الميدالية الوطنية للعلوم، إلى جانب مؤسس "غوغل" سيرغي برين، والرئيس التنفيذي لـ"إنفيديا" جنسن هوانغ، والرئيسة التنفيذية لـ"إيه إم دي" ليزا سو.
وتعد الميدالية أعلى تكريم أميركي للعلماء والمهندسين، وفق رويترز، بينما سيمنح مايكل ديل وساتيا ناديلا الميدالية الوطنية للتكنولوجيا والابتكار، وهي أعلى تكريم أميركي في مجال التكنولوجيا.
وبذلك، يجد ماسك نفسه مجددا في البيت الأبيض، لكن هذه المرة ليس كأحد أكبر ممولي حملة ترامب أو كمسؤول عن خفض الإنفاق الحكومي، وإنما كأحد المكرّمين رسميا من الرئيس.





