في قاعدة جوية هولندية مهجورة قرب بحر الشمال، تشقّ مسيّرة سريعة الغيوم بصوت مدوٍّ، متجهة لاعتراض هدف يحاكي هجوماً معادياً. قبل انطلاقها، كان رادار قد رصد الهدف، وبرنامج يعمل بالذكاء الاصطناعي قد تحقّق منه، ثم اتخذ إنسان القرار النهائي بإطلاق المسيّرة الاعتراضية.

وراء هذا الاختبار، الذي أُجري أواخر سبتمبر، محاولة لربط أدوات الحرب المختلفة في منظومة واحدة: رادارات ترصد، وكاميرات ومستشعرات تراقب، ومسيّرات تتحقّق من الأهداف، وأخرى تنطلق لاعتراضها، بينما تظهر المعلومات وخيارات التشغيل على لوحة تحكّم مشتركة.

وتطوّر هذه المنظومة شركة البرمجيات الهولندية "إنتيليك"، التي أبرمت عقداً بقيمة 30 مليون يورو، نحو 33.5 مليون دولار، مع وزارة الدفاع الهولندية لتحديث الدفاعات الجوية.

وتمثّل تجربتها نموذجاً للتقنيات التي تطوّرها شركات أوروبية وتزوّد بها أوكرانيا لمساعدتها على مواجهة الهجمات الروسية.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

ثوانٍ لاتخاذ القرار

تتخذ "إنتيليك" من أمستردام مقراً لها، وهي واحدة من عشرات الشركات العاملة داخل حظائر طائرات جرى تحويلها إلى مقار في القاعدة الجوية.

ولديها الآن مكتب في كييف، حيث تساعد القوات الأوكرانية في مواجهة هجمات متزايدة بالمسيّرات والصواريخ، خلال حرب غيّرت فيها الطائرات المسيّرة ميدان القتال ودفعت إلى ابتكارات متسارعة.

وخلال الاختبار، استخدم برنامج الشركة "نيكسوس"، المدعوم بالذكاء الاصطناعي، رادارات ومستشعرات وكاميرات من شركات مختلفة لتحديد الهدف بوصفه هجوماً معادياً. ثم تحقّقت مسيّرة استطلاع، باستخدام تقنية التعرّف على الصور، من أنه مسيّرة معادية.

Image 1

ورغم أن إنساناً اتخذ القرار النهائي بإطلاق المسيّرة الاعتراضية الموجّهة بالذكاء الاصطناعي، فإن العملية يمكن أن تصبح ذاتية بالكامل، وفق الرئيس التنفيذي ومؤسس الشركة موريتس كورتهالس ألتيس.

ويوضح أن معظم هذه الأنظمة تستخدم الذكاء الاصطناعي داخل المسيّرة نفسها، لتمكينها من إصابة هدف طائر واعتراضه بسرعات عالية. ويمكن أيضاً استخدامه لدعم القرار، بمساعدة قائد ميداني قد لا يملك سوى بضع ثوانٍ ليقرّر إطلاق النار على مسيّرة مهاجمة بمحرك نفاث.

ويتيح التكامل بين الأنظمة اتخاذ هذه القرارات بسرعة. وبحسب كورتهالس ألتيس، يصبح الاعتراض اليدوي أقل احتمالاً للنجاح عند السرعات العالية، ما يستدعي نظاماً أكثر استقلالية.

Image 1

مئات المصنّعين.. وشاشات مختلفة

تسعى كييف بصورة متزايدة إلى دعم حلفائها لتعزيز دفاعاتها الجوية، لكن الشركات الأوروبية توفّر أنواعاً متعددة من المسيّرات لا تستطيع دائماً "التحدث" مع بعضها.

وتقول أنيكا كيمبتر، كبيرة مهندسي البرمجيات في "إنتيليك"، إن أوروبا تضم أكثر من 700 شركة مصنّعة للمسيّرات، وإن الحفاظ على استقلاليتها يتطلب نظاماً يصل بين هذه المنظومات المختلفة.

وتشرح أن الألوية الأوكرانية قد تمتلك مسيّرات من أنواع ومورّدين مختلفين، لكل منها شاشته الخاصة. ويتيح "نيكسوس" جمعها وربطها داخل نظام واحد.

وخلال تجربة القاعدة الجوية، تابع المهندسون شاشات داخل مركز قيادة متنقل، باستخدام واجهة تجمع، للمرة الأولى، رصد الأهداف بالرادار والتحقّق منها بالذكاء الاصطناعي والمسيّرات الاعتراضية. وكان بالإمكان اختيار كل مكوّن وتشغيله بصورة منفصلة من لوحة التحكّم نفسها.

ويجري نشر نظام القيادة والسيطرة التابع للشركة في الميدان الأوكراني، حيث لا تزال بعض القرارات العملياتية تُنقل عبر تطبيقات المحادثة أو المكالمات الهاتفية. ويكمّل النظام منصة "دلتا" الأوكرانية المتقدمة لإدارة ساحة المعركة.

وبحسب كيمبتر، فإن استبدال التواصل البشري بأنظمة ذاتية يختصر دقائق بين رصد المسيّرة ومحاولة إسقاطها، وهو وقت قد يشكّل الفارق بين الحياة والموت.

Image 1

تمويل يتسارع مع سباق المسيّرات

يأتي الاستثمار الهولندي ضمن توجّه أوسع للإنفاق. فقد خصّصت هولندا نحو 1.4 مليار يورو لبرنامج المسيّرات الأوكراني منذ عام 2022، ما يجعلها من أبرز المساهمين الأوروبيين، إلى جانب ألمانيا وبريطانيا، وفق بيانات معهد كيل الألماني.

وتقول وزارة الدفاع الهولندية إن المساعدات العسكرية المقدّمة لأوكرانيا منذ ذلك العام تجاوزت 12.5 مليار يورو، وشملت قرابة مليون مسيّرة.

ووفق معهد كيل، ارتفعت المساعدات الأوروبية المخصّصة للمسيّرات من 400 مليون يورو عام 2022، مع بدء الغزو الروسي الشامل، إلى 1.2 مليار يورو عام 2025، ثم بلغت 1.6 مليار يورو خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2026 وحدها.

في المقابل، تستخدم روسيا الآن مسيّرات هجومية بمحركات نفاثة تطير على ارتفاعات عالية. وقال رئيس الوزراء الأوكراني سيرغي كوريتسكي إن روسيا أطلقت 2100 من هذه المسيّرات و136 صاروخاً خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من سبتمبر، ما أسفر عن مقتل 288 شخصاً.

Image 1

منظومة قابلة للتغيير

تتطور تكنولوجيا المسيّرات بسرعة تجعل معدات الدفاع الجوي عرضة للتقادم والحاجة إلى التحديث. لكن كورتهالس ألتيس يقول إن برمجيات شركته تستطيع استيعاب أنظمة تسليح جديدة وإضافتها إلى المنصة.

وتشكّل هذه القدرة على التكيّف، وفق قوله، عنصراً أساسياً في بيئة يصعب توقّعها: فلا أحد يعرف على وجه اليقين كيف ستبدو الحرب أو التهديدات بعد عامين، حتى إن كانت لديه تصوّرات عنها.