بعد أشهر من الضربات، لم تحقق الحرب الاقتصادية التي تشنها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إيران النتائج السريعة التي راهنت عليها واشنطن، رغم العقوبات الواسعة والحصار المفروض على الموانئ الإيرانية واستهداف قطاعات النفط والمصارف والطيران.
فقد كشفت صحيفة "واشنطن بوست"، أن الإدارة الأميركية بدأت الاستعداد لمواجهة اقتصادية طويلة مع طهران، بعدما لم تتحقق بعض توقعاتها بشأن سرعة تعطيل القطاعات الحيوية في الاقتصاد الإيراني.
وأثارت هذه التطورات تساؤلات بشأن قدرة العقوبات على تغيير الحسابات السياسية الإيرانية، والفارق بين إلحاق خسائر اقتصادية كبيرة بطهران ودفعها إلى تقديم تنازلات في المفاوضات.
النفط.. الحصار لم يغلق جميع المنافذ
فرضت الولايات المتحدة حصاراً جديداً على الموانئ الإيرانية في يوليو الماضي، بعد انهيار تفاهم مؤقت لإنهاء الحرب التي اندلعت في 28 فبراير.
وأدى الحصار إلى تراجع صادرات النفط الإيرانية بصورة حادة، ما حرم طهران من إيرادات تقدر بمليارات الدولارات شهرياً، بحسب الصحيفة.
لكن السلطات الإيرانية تمكنت من الاحتفاظ بمنافذ محدودة لتصدير النفط وبيعه. فخلال فترة التهدئة الممتدة من منتصف يونيو إلى منتصف يوليو، سارعت طهران إلى إخراج أكثر من 60 مليون برميل من النفط عبر موانئها، قبل إعادة فرض الحصار الأميركي.
واستمرت في بيع كميات من تلك الشحنات المخزنة خارج نطاق الحصار، فيما أشارت بيانات نقلتها وكالة "رويترز" إلى وجود نحو 20 مليون برميل من النفط الإيراني على متن سفن خارج منطقة الحصار في الثامن من أكتوبر.
كما تواصل إيران إخراج نحو 250 ألف برميل يومياً عبر الطرق البرية، وفق تقديرات شركة "كبلر" المتخصصة في بيانات أسواق الطاقة.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الحصار نجح في تقليص الإيرادات النفطية الإيرانية، لكنه لم يوقف تدفقها بالكامل، ما يمنح طهران هامشاً محدوداً للاستمرار في تمويل وارداتها واحتياجاتها الأساسية.
الطيران.. مهلة أميركية انتهت دون توقف الرحلات
لم تقتصر الضغوط الأميركية على النفط، بل امتدت إلى قطاع الطيران. ففي الثامن من سبتمبر، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات تستهدف شركات الطيران الإيرانية والجهات الأجنبية التي تتعامل معها، مع التهديد بفرض عقوبات ثانوية على مقدمي الخدمات.
وتوقع وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت توقف شركات الطيران الإيرانية عن العمل دولياً بحلول الثالث والعشرين من سبتمبر. لكن بيانات تتبع الرحلات أظهرت استمرار حركة الطيران الدولي من إيران وإليها خلال أكتوبر، بما في ذلك رحلات مرتبطة بالصين والعراق وتركيا.
ورغم تراجع عدد الرحلات الدولية بنحو النصف عقب إعلان العقوبات، لم يتوقف القطاع بالكامل وفق الجدول الزمني الذي توقعته واشنطن.
فيما يعكس استمرار الرحلات صعوبة فرض عزلة تشغيلية شاملة على إيران، خصوصاً عندما تتطلب الإجراءات الأميركية تعاون حكومات وشركات أجنبية.
المصارف.. محاولة لعزل إيران عن النظام المالي
سعت الإدارة الأميركية حملتها لتشمل المؤسسات المصرفية التي تتهمها بتسهيل المعاملات المالية الإيرانية.
واستهدفت الإجراءات مؤسسات وفروعاً مصرفية مرتبطة بطهران، بينها بنك ملي الحكومي، مع التحذير من احتمال حرمان المؤسسات الأجنبية المتعاونة معها من الوصول إلى النظام المالي الأميركي.
وتهدف واشنطن من خلال هذه العقوبات إلى تقليص قدرة إيران على تحصيل عائدات صادراتها وتحويل الأموال وتمويل وارداتها.
لكن خبراء نقلت عنهم "واشنطن بوست" أشاروا إلى أن فعالية العقوبات تعتمد على مدى استمرار تطبيقها والتزام المؤسسات المالية والدول الأخرى بها، وليس على الإعلان عنها وحده.
لماذا لم ينهَر الاقتصاد الإيراني؟
تفسر عدة عوامل استمرار قدرة الاقتصاد الإيراني على العمل رغم الأضرار الكبيرة التي تعرض لها.
أولها، أن إيران تواجه العقوبات الأميركية منذ سنوات طويلة، ما دفع قطاعات من اقتصادها إلى تطوير وسائل للتكيف مع القيود المالية والتجارية، والبحث عن قنوات بديلة لتأمين احتياجاتها.
وثانيها، أن مخزونات النفط الموجودة خارج الموانئ الإيرانية، إلى جانب استمرار بعض الصادرات البرية، وفرت مصادر دخل محدودة خلال فترة الحصار.
أما العامل الثالث، فيتعلق بالفارق بين تراجع الأداء الاقتصادي وانهيار قدرة الدولة على إدارة مؤسساتها. فالعقوبات قد تؤدي إلى انخفاض الإنتاج وتراجع قيمة العملة وارتفاع التضخم، لكنها لا تضمن بالضرورة قبول القيادة المستهدفة بالشروط السياسية للطرف الذي يفرضها، وفقا لـ"واشنطن بوست".
لكن المهم ذكره أن قدرة الاقتصاد الإيراني على الاستمرار لا تعني أنه يتمتع بوضع مستقر، إذ لا تزال البلاد تواجه ضغوطاً شديدة على الإيرادات والتجارة ومستويات المعيشة، فضلاً عن الأضرار التي خلفتها الحرب.
هرمز.. ورقة الضغط الإيرانية المقابلة
في مقابل الحصار الأميركي، تواصل إيران استخدام التهديدات التي تطال حركة الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم ممرات نقل الطاقة في العالم.
وأفادت "واشنطن بوست" بأن طهران صعّدت هجماتها على السفن التجارية، مستهدفة أكثر من 9 سفن خلال أسبوع واحد، رغم توسيع العمليات الأميركية لمرافقة الناقلات.
وتمنح هذه التطورات طهران وسيلة لفرض تكاليف اقتصادية مقابلة على خصومها، من خلال التأثير في حركة الشحن وأسعار التأمين والنفط.
وبذلك، لم تعد المواجهة الاقتصادية محصورة في قدرة واشنطن على حرمان إيران من إيراداتها، بل أصبحت تشمل قدرة طهران على رفع كلفة الحرب بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي.
واشنطن تستعد لمواجهة أطول
أظهرت تصريحات المسؤولين الأميركيين أن إدارة ترامب لا تعتبر تأخر النتائج دليلاً على فشل استراتيجيتها.
ونقلت "واشنطن بوست" عن مسؤول كبير في الإدارة أن الحصار يقلص قدرة إيران على الاستفادة من إيراداتها النفطية، وأن استمرار الضغط سيجعل العقوبات أكثر تأثيراً بمرور الوقت.
لكن خبراء أميركيين حذروا من أن حملات العقوبات الاقتصادية قد تحتاج أشهراً أو سنوات لإحداث تغيير سياسي ملموس.
بدوره، رأى ريتشارد نيفيو، المفاوض الأميركي السابق مع إيران، أن الإجراءات الجديدة تزيد عزلة طهران، لكنها لا تمثل بالضرورة ضربات قاضية لاقتصادها.
من يصمد أكثر؟
تدخل المواجهة الأميركية الإيرانية مرحلة تختلف عن الرهان الأول على تحقيق نتائج عسكرية واقتصادية سريعة.
فالولايات المتحدة تمتلك أدوات واسعة لتشديد الحصار واستهداف شبكات التمويل، لكنها تواجه صعوبات في فرض عزلة اقتصادية كاملة، فضلاً عن التداعيات العالمية لاضطراب أسواق الطاقة.
أما إيران، فتواصل إدارة اقتصاد متضرر بشدة، مستفيدة من قنوات تجارية محدودة ومخزونات نفطية سابقة، مع الإبقاء على مضيق هرمز ورقة ضغط في مواجهة واشنطن.
وبين قدرة الولايات المتحدة على تعميق الخسائر وقدرة إيران على تحملها، تتحول المواجهة تدريجياً إلى اختبار للاستنزاف.
مع العلم أن هذه التقديرات تزامنت مع استمرار المحادثات غير المباشرة بين واشنطن وطهران، في وقت أعلن ترامب عدم استئناف الضربات العسكرية قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة في الثالث من نوفمبر.





