لم تعد الجبهة في أوكرانيا خطاً تفصله خنادق ومواقع عسكرية، ولم يعد الابتعاد عنها بضعة كيلومترات كافياً للوصول إلى الأمان.

مع اتساع مدى المسيّرات، ظهرت "منطقة القتل": مساحة تمتد على جانبي خطوط التماس، تراقب فيها الطائرات الحركة وتستهدف الجنود والمركبات وطرق الإمداد، وصولاً إلى قرى كانت بعيدة عن القتال.

فقد بات هذا النمط من القتال يمتد على طول الجبهة البالغ نحو 1200 كيلومتر، حيث تتداخل مواقع القوات الروسية والأوكرانية، وتتحول الحركة بين المخابئ إلى عملية تتطلب مراقبة جوية وتوجيهاً مستمراً، بحسب تقرير لـ"نيويورك تايمز".

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

أين تقع "منطقة القتل"؟

ليست "منطقة القتل" موقعاً واحداً بحدود ثابتة، بل نطاق يتسع تبعاً لقدرة المسيّرات على الاستطلاع والوصول إلى الأهداف. وتشمل مواقع المشاة والملاجئ ومراكز القيادة وطرق نقل الذخيرة وإجلاء الجرحى خلف الخطوط.

ويعرض التقرير التحول في محيط بلدة بريمورسكي بمنطقة زابوريجيا جنوب شرقي أوكرانيا. فقبل عامين، كانت المسيّرات الأوكرانية تستطيع استهداف مواقع تبعد بضع كيلومترات خلف الخطوط الروسية، بينما فصلت نحو 300 متر فقط بين قوات الطرفين.

واليوم، يصل مدى معظم المسيّرات هناك إلى نحو 32 كيلومتراً، فيما تستطيع طائرات جديدة ثابتة الجناح ضرب أهداف تبعد نحو 64 كيلومتراً. ورغم محدودية التقدم البري في المنطقة، اتسع نطاق الاستهداف الجوي، فأخلت السلطات الأوكرانية عشر قرى على الأقل شمال بريمورسكي.

Image 1

الرصد أولاً.. والضربة خلال دقائق

تعتمد العمليات على مسيّرات استطلاع ترصد الحركة وترسل إحداثياتها إلى طائرات هجومية. ويقول قائد كتيبة مسيّرات أوكرانية إن وحدته توزع أطقم الهجوم بفواصل تقارب ثلاث كيلومترات، على امتداد قطاع من الجبهة يبلغ نحو 16 كيلومتراً.

وتطلق هذه الأطقم نحو مئة مسيّرة يومياً، مع إبقاء عدد منها في الجو لتوجيهها نحو أهداف جديدة خلال دقائق.

في المقابل، أظهرت تقارير ميدانية روسية اطلعت عليها الصحيفة توافر 199 مسيّرة استطلاع جاهزة للإطلاق قرب بريمورسكي في يوم واحد من مايو، إلى جانب 62 طاقماً على الأقل لتشغيل المسيّرات الهجومية قصيرة المدى.

مواقع متداخلة وجنود تحت الأرض

دفعت المراقبة الجوية الجنود إلى الانتشار في مجموعات صغيرة داخل ملاجئ وأنفاق، بدلاً من التجمع في خنادق مكشوفة. وأصبحت بعض المواقع تُدار بجنديين فقط، بينما تنفذ مجموعات محدودة العدد هجمات لتقليل احتمال اكتشافها.

وفي بعض المناطق، يتمركز جنود الطرفين على مسافات متقاربة، وأحياناً داخل المبنى نفسه. وروى متطوع يقاتل مع القوات الأوكرانية وجود جنود أوكرانيين في قبو مبنى ببلدة ستيبنوغيرسك، بينما تمركز الروس في الطوابق فوقهم.

وأصبح إطلاق النار نفسه مخاطرة قد تكشف الموقع. لذلك يكتفي جنود أحياناً برصد تحركات الخصم وإبلاغ وحداتهم، لتتولى المسيّرات مهاجمته.

ومع ذلك، تبقى قوات المشاة ضرورية للاستيلاء على الأرض والاحتفاظ بها وإخراج الجنود من المواقع المحصنة، وهي مهام لا تنجزها الضربات الجوية وحدها.

Image 1

الإمداد والإجلاء عبر المسيّرات

امتد التغيير إلى نقل الطعام والماء والذخيرة. وقال قائد سرية أوكرانية إن وحدته توقفت عن إيصال الغذاء بالمركبات إلى المواقع الأمامية منذ نوفمبر، واعتمدت بالكامل على المسيّرات.

وأظهرت وثائق روسية تنفيذ 678 رحلة إمداد بمسيّرات خلال يوم واحد في قطاع واسع من الجبهة الجنوبية، نقلت نحو طنين من الشحنات.

لكن التشويش وإسقاط الطائرات والبرد قد تمنع وصول الإمدادات أياماً. كما تعذر وصول المسعفين إلى بعض الجرحى، فأصبحت الوحدات ترسل الأدوية والضمادات وتشرح استخدامها عبر اللاسلكي، وتستعين بمركبات أرضية مسيّرة للإجلاء.

وأطالت هذه المخاطر بقاء الجنود في مواقعهم من أيام إلى أشهر، لأن تبديلهم يعني عبور المنطقة مجدداً. ومع تطور المدى وأنظمة الاستهداف، يتوقع خبراء اتساع "منطقة القتل" إلى مدن كانت تُعد آمنة، بينما يظل الجنود على الأرض مسؤولين عن السيطرة على المواقع.