قبل 46 عاماً، ساهمت أزمة الرهائن الأميركيين في إيران في إضعاف الرئيس جيمي كارتر، الذي خسر انتخابات عام 1980 أمام رونالد ريغان. واليوم، تعود طهران إلى قلب الحسابات الانتخابية الأميركية، لكن بسلاح مختلف، عنوانه النفط ومضيق هرمز، على ما يبدو.
فمع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي في الثالث من نوفمبر 2026، تتحدث تقارير صحافية عن رهان داخل دوائر القرار الإيرانية على إبقاء أسعار الطاقة مرتفعة، بما يزيد الضغوط الاقتصادية والسياسية على الرئيس دونالد ترامب وحزبه الجمهوري، في سيناريو قد يكون شبيها بما حدث لكارتر.
أزمة الرهائن.. عندما خسِر كارتر البيت الأبيض
بدأت الأزمة في الرابع من نوفمبر 1979، عندما اقتحم طلاب إيرانيون السفارة الأميركية في طهران، واحتجزوا عشرات الأميركيين، في واقعة تحولت إلى مواجهة دبلوماسية طويلة بين البلدين.
وعندما استمر احتجاز 52 رهينة أميركية لمدة 444 يوماً، واجه كارتر ضغوطاً متزايدة لإنهاء الأزمة، خصوصاً بعد فشل عملية عسكرية أميركية لتحرير الرهائن في أبريل 1980.
كما جاءت الأزمة في وقت كانت الولايات المتحدة تعاني تضخماً مرتفعاً واضطرابات اقتصادية وتراجعاً في الثقة بالإدارة الأميركية، ما ضاعف التحديات التي واجهها كارتر خلال حملته لإعادة انتخابه.
إلى أن خسر في نوفمبر 1980، كارتر الانتخابات أمام المرشح الجمهوري رونالد ريغان، قبل أن يُفرج عن الرهائن في 20 يناير 1981، بالتزامن مع تنصيب الرئيس الجديد.
ورغم أن أزمة الرهائن لم تكن العامل الوحيد وراء هزيمته، إلا أنها أصبحت واحدة من أبرز الأمثلة التاريخية على تأثير أزمة خارجية ممتدة في المشهد الانتخابي الأميركي.
النفط بدلاً من الرهائن.. هل يعاد التاريخ اليوم؟
بعد أكثر من 4 عقود، تبدو الحسابات الإيرانية مختلفة في أدواتها، لكنها تستحضر الأثر السياسي المحتمل لأزمة خارجية على الإدارة الأميركية.
فبحسب تقرير لصحيفة "واشنطن بوست"، نقل عن مسؤولين إيرانيين ودبلوماسيين، تنظر دوائر في طهران إلى الفترة التي تسبق انتخابات الكونغرس باعتبارها فرصة لزيادة الضغط على ترامب، عبر استمرار اضطراب الملاحة في مضيق هرمز وإبقاء أسعار الطاقة مرتفعة.
وقد نقلت وكالة "رويترز" في السياق نفسه، عن مسؤولين إيرانيين، أن طهران غيّرت بعض تكتيكاتها في استهداف حركة الشحن، بهدف إرباك الجهود الأميركية الرامية إلى تخفيف أسعار النفط قبل التصويت.
وبحسب هذه التصريحات، فإن الرهان لا يقتصر على تحقيق مكاسب عسكرية، بل يشمل محاولة زيادة الكلفة الاقتصادية للحرب داخل الولايات المتحدة، خصوصا وأن مضيق هرمز يمثل أحد أهم الممرات البحرية لتجارة الطاقة العالمية، إذ كان يمر عبره قبل الحرب نحو خُمس استهلاك النفط العالمي من السوائل النفطية، إلى جانب كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال.
كما أدى اضطراب الملاحة منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران في فبراير الماضي إلى زيادة المخاوف بشأن الإمدادات العالمية، وانعكست هذه التطورات على أسعار النفط والوقود.
وبالنسبة إلى الناخب الأميركي، لا تقتصر آثار الأزمة على أسعار البنزين، بل يمكن أن تمتد إلى تكاليف النقل والإنتاج والسلع الاستهلاكية، ما يزيد حساسية التوقيت بالنسبة إلى ترامب، الذي يواجه حزبه انتخابات ستحدد موازين القوى داخل مجلسي النواب والشيوخ، وقد تؤثر في قدرته على تمرير أجندته التشريعية خلال العامين المتبقيين من ولايته، وفق الصحيفة.
هل تستطيع إيران تكرار الأثر السياسي لأزمة كارتر؟
رغم التشابه في استخدام أزمة مرتبطة بإيران للضغط على واشنطن، فإن الفوارق بين المرحلتين جوهرية. فكارتر كان يخوض انتخابات رئاسية مباشرة عام 1980، بينما لا يترشح ترامب في انتخابات نوفمبر 2026، وإنما يسعى الجمهوريون إلى الحفاظ على مواقعهم داخل الكونغرس.
كما أن تأثير أزمة الرهائن في انتخابات 1980 تداخل مع مشكلات اقتصادية وسياسية داخلية، ولا يمكن اعتباره تفسيراً وحيداً للنتيجة.
واليوم أيضاً، لا توجد أدلة على أن أسعار النفط وحدها ستحدد اتجاه التصويت، خصوصاً مع تعدد القضايا التي تؤثر في الناخبين الأميركيين.
مقابل ذلك، تواجه الاستراتيجية المنسوبة إلى طهران تحدياً إضافياً، يتمثل في أن ارتفاع أسعار الطاقة واستمرار الحرب يفرضان أعباء اقتصادية على إيران نفسها، وقد تعمل واشنطن على تأمين حركة الملاحة وتخفيف اضطرابات الإمدادات عبر الضغط على إيران.
يذكر أنه بين رهائن عام 1979 ونفط عام 2026، تغيرت أدوات المواجهة بين طهران وواشنطن، لكن العلاقة بين الأزمات الخارجية والسياسة الداخلية الأميركية بقيت حاضرة.
وبينما تسعى إدارة ترامب إلى الحد من آثار الحرب على الأسواق والمستهلكين، تشير تصريحات المسؤولين الإيرانيين المنقولة في الصحافة الغربية إلى محاولة استثمار الأسابيع الأخيرة قبل الانتخابات لزيادة الضغط السياسي على الجمهوريين.
غير أن استحضار تجربة كارتر لا يعني بالضرورة تكرار نتائجها، فالمشهد الانتخابي والاقتصادي والعسكري مختلف، كما أن دوافع الناخبين لا تختزل في أزمة واحدة.





