كشفت صحيفة وول ستريت جورنال أنّ منصة العملات المشفرة باينانس أقالت موظفين داخليين بعدما رصدوا تحويلات تقارب مليار دولار عبر حسابات على المنصة إلى شبكة مرتبطة بجهات إيرانية خاضعة للعقوبات.

وبحسب الصحيفة، جاءت هذه التطورات بعد أسابيع من منح الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عفوا لمؤسس باينانس تشانغبينغ تشاو، الذي كان قد أُدين سابقا في إطار تسوية جنائية مع السلطات الأميركية.

وتُظهر وثائق داخلية اطلعت عليها الصحيفة أن فريق التحقيق في الجرائم المالية داخل الشركة ربط حسابات على المنصة بشبكة تمويل مرتبطة بإيران، قبل أن يتم تعليق المحققين ثم فصلهم لاحقا.

مليار إلى 1.7 مليار دولار.. كيف كُشف المسار المالي؟

وفق وول ستريت جورنال، توصّل فريق التحقيق الداخلي في باينانس إلى أنّ ما يقارب 1.7 مليار دولار تدفقت خلال عامي 2024 و2025 من حسابات على المنصة إلى شبكة قالت سلطات أميركية وإسرائيلية إنها استُخدمت لتمويل جماعات مدعومة من إيران، بينها الحوثيون في اليمن.

وأفادت الصحيفة بأنّ أكثر من مليار دولار من هذه التحويلات مرّت عبر حساب شركة مدفوعات مقرها هونغ كونغ تُدعى Blessed Trust.

كما نشرت صحيفة نيويورك تايمز تفاصيل إضافية تشير إلى أنّ محققي الشركة وجدوا أن نحو 1.7 مليار دولار انتقلت من حسابين على الأقلّ إلى كيانات إيرانية لها صلات بجماعات مصنفة إرهابية، وأنّ أحد الحسابات كان مرتبطا بمورّد يعمل مع باينانس.

كما اكتشف المحققون أن أكثر من 1500 حساب تم الدخول إليها من داخل إيران خلال فترة سابقة، ما أثار مخاوف تتعلق بالالتفاف على أنظمة الحظر.

أما الغارديان فنقلت عن تقارير داخلية أن حسابين على الأقل شهدا تحويل 1.7 مليار دولار إلى جهات مدعومة من إيران، مؤكدة أنّ القضية تفجّرت بعد عفو ترامب عن تشاو.

شبكة الظل.. الحرس الثوري والممر الصيني

توضح وول ستريت جورنال أنّ المحققين أشاروا إلى ما أسموه "Entity A"، وهي مجموعة من ٧ محافظ رقمية خلصوا إلى أنها مرتبطة بشبكة إيرانية، فيما قال مسؤولون في إنفاذ القانون إن الشبكة جزء من ممر مصرفي غير رسمي يديره الحرس الثوري الإيراني بين هونغ كونغ وطهران، بما يتيح لشركات صينية سداد مدفوعات مقابل النفط الإيراني بعيدا عن النظام المالي التقليدي.

وتشير الوثائق إلى أنّ شركة "Blessed Trust" حوّلت أكثر من مليار دولار من عملة Tether إلى هذه الشبكة بين نوفمبر 2024 وأغسطس 2025، سواء بشكل مباشر أو عبر حسابات وسيطة.

بدورها، أكّدت نيويورك تايمز أنّ التحقيق الداخلي ربط 1.2 مليار دولار تقريبا من حساب "Blessed Trust" بمحافظ رقمية تسيطر عليها جهات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.

نفت الشركة من جانبها السماح عمدا بأنشطة خاضعة للعقوبات، وقالت إن التحويلات لم تثبت وجود تعامل مباشر مع كيان خاضع للعقوبات، وإنّها أزالت الحسابات المعنية وأبلغت السلطات . كما نفت "Blessed Trust" إجراء مدفوعات مباشرة إلى أي كيان إيراني خاضع للعقوبات.

من التعهد بالإصلاح إلى إقالة المحققين

القضية تأتي بعد تسوية جنائية كبرى في 2023، أقرّت فيها باينانس بانتهاك قوانين مكافحة غسل الأموال والعقوبات، ووافقت على دفع 4.3 مليارات دولار غرامات، إضافة إلى تعيين مراقبين مستقلين والتعهد بإصلاحات واسعة.

غير أنّ تسلسل الأحداث في 2025 يطرح تساؤلات جديدة. فبحسب نيويورك تايمز، أُوقف أو فُصل ما لا يقل عن ٤ موظفين شاركوا في التحقيق الداخلي بعد إبلاغ الإدارة العليا بنتائجهم. وذكرت وول ستريت جورنال أنّ المحققين الذين رفعوا تقاريرهم إلى الإدارة، بينهم رئيس وحدة العقوبات وتمويل الإرهاب، تمّ تعليقهم ثمّ فصلهم لاحقا.

أكّدت الشركة أنّ التحقيق لم يُغلق وأنّ الفصل لم يكن بسبب إثارة مخاوف امتثال، بل لأسباب تتعلق ببروتوكولات داخلية. إلّا أنّ مغادرة عدد من مسؤولي الامتثال خلال الأشهر الأخيرة، وفق نيويورك تايمز، أضافت إلى الشكوك حول بيئة الحوكمة الداخلية.

ترامب.. العفو والسياسة والرسائل المتناقضة

بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض، منح عفوا لتشاو في أكتوبر، قائلا إنه قيل له إن ما فعله "لم يكن جريمة".

وتشير الغارديان إلى أن العفو جاء بعد إدانة تشاو ودفعه غرامة شخصية، في وقت أقامت شركة عائلة ترامب World Liberty Financial علاقات أعمال مع باينانس، وشارك تشاو في فعاليات قريبة من الدائرة الرئاسية.

كما نقلت نيويورك تايمز أن مشروع العملات المشفرة المرتبط بعائلة ترامب أقام علاقات وثيقة مع المنصة، في ظل استعداد الإدارة لاتخاذ مواقف متشددة حيال إيران.