تشهد الساحة الروسية في الفترة الأخيرة تصاعدا ملحوظا في الإجراءات الأمنية المرتبطة بحماية القيادة العليا، ولا سيما الرئيس فلاديمير بوتين، في ظل تحديات أمنية متزايدة ومخاوف من تهديدات داخلية وخارجية.

وكشفت شبكة "سي إن إن" الإخبارية أن الكرملين شدد الإجراءات الأمنية حول بوتين، ضمن تدابير جديدة جاءت استجابة لموجة اغتيالات استهدفت شخصيات عسكرية روسية بارزة، ومخاوف من انقلاب محتمل، وفقا لتقرير صادر عن وكالة استخبارات أوروبية حصلت عليه الشبكة.

ويشير التقرير أيضا إلى أن الإجراءات وصلت إلى منع الطهاة والحراس الشخصيين والمصورين العاملين مع الرئيس، من استخدام وسائل النقل العام.

كما يخضع زوار الرئيس لتفتيش أمني مزدوج، ولا يُسمح للعاملين المقربين منه باستخدام سوى الهواتف غير المتصلة بالإنترنت.

وبحسب التقرير، فإن الإجراءات حول بوتين توحي بتزايد قلق الكرملين في ظل تفاقم المشاكل داخليا وخارجيا، بما في ذلك المصاعب الاقتصادية وتزايد بوادر المعارضة، والحرب في أوكرانيا.

تشديد أمني حول بوتين

أشار التقرير إلى أن مسؤولي الأمن الروس قلصوا بشكل كبير عدد المواقع التي يزورها بوتين بانتظام، لافتا إلى توقف بوتين وعائلته عن الذهاب إلى مساكنهم المعتادة في منطقة موسكو وفي فالداي، وهو مقر إقامة الرئيس الصيفي الواقع بين سانت بطرسبرغ والعاصمة.

وأفادت الشبكة نقلا عن التقرير أنه ومنذ غزو أوكرانيا عام 2022، يقضي بوتين أسابيع متواصلة في ملاجئ مُحصنة، غالبا في كراسنودار، وهي منطقة ساحلية تطل على البحر الأسود وتبعد ساعات عن موسكو.

وبحسب التقرير فمنذ بداية مارس الماضي، أبدى الكرملين وبوتين نفسه قلقهما إزاء احتمالية تسريب معلومات حساسة، وخطر وقوع مؤامرة أو محاولة انقلاب.

ونقلت الشبكة أن تفاصيل الإجراءات الأمنية الجديدة تأتي بعد أيام من إعلان موسكو عن تغييرات جوهرية في عرضها العسكري السنوي في الساحة الحمراء، المقرر إقامته في 9 مايو، إحياء لذكرى الانتصار على ألمانيا النازية.

بموازاة ذلك، أشار المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، إلى أن التهديد والنجاح الأخير للضربات الأوكرانية بعيدة المدى كانا من بين الدوافع.

سيرغي شويغو في دائرة الاتهام؟

تقول "سي إن إن" إن محاولتها التواصل مع الكرملين للحصول على تعليق باءت بالفشل، معترفة في الوقت ذاته أن طبيعة المعلومات الاستخباراتية الواردة في التقرير تجعل التحقق من بعض التفاصيل أمرا شائكا.

ووفق التقرير فإنه منذ بداية مارس "أبدى الكرملين وفلاديمير بوتين نفسه قلقهما إزاء احتمالية تسريب معلومات حساسة، فضلا عن خطر وقوع مؤامرة أو محاولة انقلاب تستهدف الرئيس الروسي. وهو يحذر بشكل خاص من استخدام الطائرات المسيّرة في محاولة اغتيال محتملة لأعضاء النخبة السياسية الروسية".

لكن الاستنتاج الأبرز يتعلق بسيرغي شويغو، المقرب السابق من بوتين.

ويقول التقرير إن وزير الدفاع السابق، الذي تم تهميشه ويشغل حاليا منصب أمين مجلس الأمن، "يرتبط بخطر الانقلاب، نظرا لنفوذه الكبير داخل القيادة العسكرية العليا".

ويضيف التقرير أن اعتقال نائب شويغو السابق والمقرب منه، رسلان تساليكوف، في الخامس من مارس، يُعتبر "خرقا لاتفاقيات الحماية الضمنية بين النخب، مما يُضعف شويغو ويزيد من احتمالية استهدافه بتحقيق قضائي".

وذكرت لجنة التحقيق الروسية في بيان لها في مارس أن تساليكوف اعتُقل بتهم تتعلق بالاختلاس وغسل الأموال والرشوة. وتتكرر تقارير الفساد في النخبة العسكرية، لكنها تضاعفت منذ بدء الغزو الأوكراني.

ولا يقدم التقرير أدلة تدعم الادعاءات ضد شويغو، الذي كان يُنظر إليه سابقا على أنه مقرب جدا من بوتين.

وكان بوتين قد نجا من محاولة انقلاب سابقة في يونيو 2023، عندما قاد زعيم الفاغنر يفغيني بريغوجين مسيرة مسلحة فاشلة نحو موسكو.

خلاف في الكرملين

كذلك أشار التقرير إلى أن مشادة كلامية حادة دارت بين كبار المسؤولين العسكريين في اجتماع بالكرملين أواخر العام الماضي مع بوتين، كانت من بين الأسباب التي أدت إلى اتخاذ هذه الإجراءات الجديدة.

بعد اغتيال الفريق فانيل سارفاروف في موسكو في 22 ديسمبر 2025، على يد عملاء أوكرانيين على الأرجح، استدعى بوتين كبار المسؤولين الأمنيين بعد ثلاثة أيام.

وتفيد "سي إن إن" أنه خلال الاجتماع، انتقد رئيس الأركان العامة، فاليري غيراسيموف، رئيس جهاز الأمن الفيدرالي (FSB)، ألكسندر بورتنيكوف، لتقصيره في حماية ضباطه، الذين بدورهم اشتكوا من نقص الموارد والأفراد اللازمين لأداء مهامهم.

ويشير التقرير الاستخباراتي أيضا إلى أنه: "في ختام هذا الاجتماع المتوتر، دعا فلاديمير بوتين إلى الهدوء، مقترحا آلية عمل بديلة، وموجها المشاركين بتقديم حلول عملية للمشكلة في غضون أسبوع واحد".

وتضمن هذا الحل السريع توسيع بوتين لنطاق عمل جهاز الحماية الفيدرالي (FSO) التابع له، والذي كان يقتصر آنذاك على حماية غيراسيموف في القيادة العسكرية، ليشمل توفير الحماية لعشرة قادة عسكريين كبار آخرين.