تستغل سوريا هذه الأيام، أكثر من 50 مليون متر مكعب من الأنقاض خلّفتها سنوات الحرب، حيث بدأ هذا الركام الذي كان أحد أبرز وجوه الدمار يتحول تدريجياً إلى مورد يدخل مجدداً في عملية البناء، عبر مشاريع لإعادة تدويره وتحويله إلى مواد تستخدم في الطرق والبلوك والإنترلوك والخرسانة غير الإنشائية.
مواد بناء من الركام
وفق مصادر رسمية، تتوزع مشاريع إزالة الركام وإعادة تدويره حالياً بين ريف دمشق وحمص وحلب ودير الزور، فيما تستهدف وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث التخلص من الأنقاض في أنحاء البلاد بحلول منتصف عام 2028.
وتبدأ العملية بجمع الأنقاض ونقلها، ثم فرزها وتكسيرها لفصل المواد التي يمكن استخدامها مجدداً، مثل الخرسانة والحجارة والطوب وحديد التسليح.
كما يمكن بحسب القائمين على المشاريع، إدخال المواد الناتجة في رصف الطرق وإنتاج البلوك وحجر الرصيف والبيتون غير الإنشائي، فيما يمكن تطوير عمليات المعالجة مستقبلاً للوصول إلى استخدامات إنشائية أوسع، وفقا لوكالة الأنباء السورية الرسمية "سانا".
أما في مجال الطرق، فأوضح مدير المجبل الإسفلتي في النيرب بحلب هاني جبرائيل أن المواد الحصوية تُنقل إلى المركز الإنتاجي وتُعالج حرارياً، قبل فرزها وتحديد الكميات المطلوبة وخلطها بمادة البيتومين لإنتاج المجبول الإسفلتي.

داريا ودوما.. ثم حمص ودير الزور وحلب
في ريف دمشق، تشكل تجربتا داريا ودوما نموذجاً أولياً لإعادة استخدام الركام على نطاق أوسع، إذ يستهدف المشروع تدوير 30 ألف متر مكعب من الأنقاض، فيما جرى ترحيل 84 ألف متر مكعب من أصل 85 ألفاً، وفق الدفاع المدني السوري.
كما تم حتى الآن، تكسير وفرز نحو 12 ألف متر مكعب للاستفادة منها في مشاريع خدمية، بالتوازي مع توفير أكثر من 35 فرصة عمل.
إلا أن المهمة أكبر بكثير في حمص، حيث يتجاوز حجم الأنقاض 8 ملايين متر مكعب.
ومنذ مارس، تجري أعمال لإزالة وإعادة تدوير الركام انطلاقاً من منطقة الكراج القديم، على أن تتوسع لاحقاً إلى الأحياء المتضررة.
كما يمتد المشروع لثلاث سنوات، بالتعاون بين محافظة حمص وشركة اتحاد العمران الممثلة لشركة "Erkış" التركية، ويستهدف تحويل الركام إلى منتجات قابلة للاستخدام مجدداً، بينها الطوب وحجارة الإنترلوك ومواد البناء.

أما في دير الزور، فانطلق خلال سبتمبر مشروع "فجر الفرات" من حي الرشدية، مع خطة لتوسيع الأعمال لاحقاً إلى البوكمال والميادين.
ويستهدف المشروع التعامل مع نحو 8 ملايين متر مكعب من أصل نحو 10 ملايين متر مكعب من الأنقاض، خلال فترة مقررة تبلغ 18 شهراً.
وتشمل المرحلة الأولى تفكيك المباني المدمرة ونقل مخلفاتها، بينما تركز الثانية على معالجة الركام واستخراج مواد أولية يمكن إعادتها إلى دورة البناء.
عن هذا أوضح مدير الجودة والتطوير في المشروع ماهر عثمان، أنه يمكن استخدام المواد المعاد تدويرها في الطرق والمجبول الإسفلتي والبيتون غير الإنشائي وحجر الرصيف والبلوك.
أيضا في حلب، وصلت كمية الأنقاض التي أُزيلت منذ التحرير، وبموافقة أصحاب الممتلكات، إلى نحو 550 ألف متر مكعب، تحت إشراف وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث.
وقال محافظ حلب عزام الغريب في تصريح سابق إن جزءاً من الركام المعاد تدويره يستخدم في رصف الطرق والمنصفات بالتنسيق مع المجالس المحلية والجهات المعنية.

الفوائد كثيرة والهدف.. سوريا بلا أنقاض في 2028
لا تتوقف الفائدة المحتملة عند تنظيف المدن. فبحسب أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة عبدالرحمن محمد، يمكن لقطاع تدوير الأنقاض أن يخلق سلسلة اقتصادية تبدأ من الجمع والنقل والفرز، مروراً بالمعالجة، وصولاً إلى إنتاج مواد البناء.
ويعني ذلك توفير فرص عمل جديدة، وخفض جزء من تكاليف النقل وإعادة الإعمار، وتقليل الحاجة إلى بعض المواد الأولية الجديدة أو المستوردة.
لكن التوسع في هذا القطاع يحتاج، وفق محمد، إلى معايير فنية وتشريعات وضوابط بيئية، إضافة إلى استثمارات وتمويل، مع إنشاء وحدات المعالجة بالقرب من مناطق الدمار لتقليل كلفة نقل الركام.
وتظهر مشاريع قائمة بالفعل أثراً اجتماعياً إلى جانب العائد الاقتصادي. فبحسب اختصاصية الجاهزية للأزمات في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي جويل سيمي بارك، شارك أكثر من 1300 شخص في أنشطة مرتبطة بتدوير الأنقاض، ما وفر دخلاً لنحو 6000 شخص من أسر العاملين.

يأتي ذلك ضمن مشروع "إحياء – Revive"، الذي يستهدف إزالة 570 ألف طن من الأنقاض في حلب ودير الزور وحمص وريف دمشق، بالتوازي مع إصلاح الطرق وشبكات المياه والصرف الصحي.
أما الهدف فهو سوريا بلا أنقاض في 2028، حيث تكشف الأرقام حجم المهمة المتبقية.
فيما قدر وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح إجمالي الركام والأنقاض في البلاد بنحو 50 مليون متر مكعب، وقال إن نحو 3 ملايين متر مكعب منها أزيلت خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026.
في حين تستهدف الوزارة إزالة كمية مماثلة خلال ما تبقى من العام، مع إعادة استخدام أكبر قدر ممكن منها في "إنتاج مواد البناء وتأهيل الطرق".
أما الهدف النهائي الذي وضعته الوزارة فهو الوصول إلى "سوريا بلا أنقاض" بحلول منتصف عام 2028.





