لم يكن نقل تمثال صلاح الدين الأيوبي من أمام قلعة دمشق مجرد إجراء فني عابر، بل تحول إلى قضية أثارت جدلاً واسعاً بين السوريين، وأعادت طرح أسئلة تتعلق بحماية التراث، وهوية المكان، ومصير أحد أشهر المعالم التي ارتبطت بصورة العاصمة لعقود.
وبينما أكدت محافظة دمشق أن نقل النصب جاء بهدف الصيانة والترميم، رأى معارضون للخطوة أن التمثال أصبح جزءاً من الذاكرة البصرية للمدينة، وأن إبعاده عن محيط القلعة قد يغيّر علاقة أحد أبرز رموز دمشق بموقعه التاريخي.
لماذا نُقل التمثال؟
كشف الدكتور أمجد فرخ، مدير مديرية دمشق القديمة في محافظة دمشق، في تصريحات لـ"بلينكس"، أن القرار جاء ضمن دراسة فنية لإعادة تأهيل محور قلعة دمشق ومحيطها، بهدف تحسين الخدمات وتجربة الزائر.
وأوضح أن الدراسة تناولت عدة إشكاليات مرتبطة بموقع التمثال، أبرزها تأثيره في المشهد البصري للقلعة.
وقال فرخ إن وضع التمثال في موقعه السابق خلال تسعينيات القرن الماضي جاء، بحسب الدراسة، مخالفاً للتوصيات الفنية المتعلقة بحماية المعالم التراثية، مشيراً إلى أنه حجب جزءاً مهماً من الواجهة الغربية لقلعة دمشق.
وأضاف أن الموقع تسبب أيضاً في تضييق أحد المحاور الرئيسية لحركة المشاة، الذي يربط سوق الحميدية بمنطقتي ساروجة وشارع الثورة، ما اضطر بعض المارة إلى استخدام مسار السيارات.
وأشار إلى أن محيط التمثال شهد انتشار البسطات وتعديات مختلفة، بينها الكتابة على النصب وإلصاق الإعلانات عليه.
"كابلات تحت التمثال" وأضرار في بنيته
لم تتوقف أسباب النقل عند المشهد البصري وحركة المشاة، فبحسب فرخ، كشفت أعمال صيانة البنية التحتية وجود كابلات رئيسية لشبكة اتصالات دمشق القديمة أسفل التمثال مباشرة، ما جعل الوصول إليها وصيانتها أمراً صعباً.
كما أظهرت الدراسة الفنية وجود تشققات في بنية النصب الإسمنتية، مرتبطة بطريقة صبّه على مستويات متعددة.
وأوضح فرخ أن التمثال تعرض أيضاً لأعمال تخريب، شملت كسر أجزاء من أذرع بعض الفرسان المحيطين بصلاح الدين، إضافة إلى كسر السيف.
وأكد أن مجمل هذه الأضرار استدعى إجراء صيانة شاملة، بعد دراسة شاركت فيها دائرة آثار دمشق وجامعة دمشق وخبراء فنيون وفنانون تشكيليون، إلى جانب جهات مختصة في وزارة الثقافة.
لماذا بانوراما حرب تشرين؟
أثار اختيار بانوراما حرب تشرين موقعاً مؤقتاً للتمثال تساؤلات بشأن الدلالات الرمزية والسياسية للقرار.
لكن فرخ نفى وجود أي خلفية ثقافية أو رمزية وراء اختيار المكان، مؤكداً أن الأسباب لوجستية وفنية حصراً.
وكشف أن وزن التمثال يتجاوز 120 طناً، ما فرض شروطاً خاصة لعملية نقله وحفظه.
وأوضح أن المحافظة بحثت عن موقع قريب من القلعة، يتمتع بمساحة مفتوحة تسمح لورش الصيانة بالعمل، ويكون في الوقت نفسه محمياً من التعديات والتخريب.
وقال إن بانوراما حرب تشرين استوفت هذه المتطلبات، وإن الجهات المعنية أتاحت استخدامها لاستضافة النصب بصورة مؤقتة.
وأضاف أن عملية النقل خضعت لتحضيرات ودراسات استمرت نحو شهر، رغم تنفيذ النقل الفعلي خلال يوم واحد، بهدف ضمان سلامة التمثال وعدم إلحاق أضرار إضافية ببنيته.
هل يعود صلاح الدين إلى مكانه القديم؟
محافظة دمشق لم تحسم بعد الموقع النهائي الذي سيُعرض فيه التمثال بعد ترميمه، ما يعني أن عودته إلى أمام القلعة ليست قراراً مؤكداً.
وقال فرخ إن باب المشاورات لا يزال مفتوحاً لاختيار الموقع الأنسب، بمشاركة المؤسسات المعنية والاستماع إلى مقترحات المجتمع المحلي.
كذلك حدد 3 شروط أساسية للموقع الجديد، أن يكون ذا قيمة رمزية في دمشق، وأن يتيح للزوار مشاهدة التمثال من جميع الزوايا بزاوية 360 درجة، وأن يوفر الحماية اللازمة لمنع تعرضه لأي اعتداءات.
أيضاً ردّ فرخ على الجدل الذي ربط نقل النصب بمكانة صلاح الدين الأيوبي التاريخية، معتبراً أن اختزال رمزية القائد التاريخي في تمثال واحد ينطوي على إجحاف بحق دمشق نفسها.
وقال إن المدينة كانت جزءاً أساسياً من تاريخ الدولة الأيوبية، وإن صلاح الدين انطلق منها باتجاه القدس، ثم عاد إليها وعاش وتوفي فيها.
وأشار إلى وجود ضريحه في محيط الجامع الأموي، وانتشار آثار الدولة الأيوبية في أرجاء دمشق، مؤكداً أن المحافظة تعمل بالتعاون مع وزارة الثقافة على صيانة هذه المعالم وإبرازها.
وشدد على أن الحفاظ على ذكرى صلاح الدين لا ينبغي أن يرتبط حصراً بعمل فني يجسد تصور النحات لشخصيته.
معلم من ذاكرة دمشق
يذكر أن تمثال صلاح الدين الأيوبي لم يحتج إلى معركة جديدة ليتصدر الجدل في سوريا، بل كان نقله من أمام قلعة دمشق كافياً لإثارة موجة من التساؤلات بشأن مصير أحد أشهر معالم العاصمة، وسط انقسام بين مؤيدين لخطوة الترميم ومعارضين لإبعاده عن موقع ارتبط به لأكثر من ثلاثة عقود.
ويعود إنشاء نصب صلاح الدين الأيوبي إلى عام 1993، وهو من تصميم النحات السوري عبد الله السيد.
كما يُظهر العمل صلاح الدين ممتطياً جواده، محاطاً بشخصيات من فرسانه، في تكوين نحتي أصبح من أشهر الصور المرتبطة بدمشق.
وقد اكتسب النصب أهمية خاصة من موقعه أمام القلعة، حيث تحول إلى نقطة معروفة لدى السكان والزوار، وإلى جزء من المشهد العمراني للعاصمة.
لهذا، يرى منتقدو قرار النقل أن القيمة التاريخية والفنية للنصب لا تنفصل تماماً عن المكان الذي اعتاد الدمشقيون رؤيته فيه.
في المقابل، تتمسك المحافظة بأن حماية التمثال ومعالجة مشكلات موقعه السابق تقتضيان دراسة بدائل تحقق شروط الصيانة والعرض الآمن.





