لم يكن أب لطفلة في الثالثة يتوقع أن يجد روضة ابنته ضمن تحقيق تلفزيوني عن الاعتداءات الجنسية وسوء المعاملة في مدارس باريس. وبعد مشاهدته البرنامج في يناير، تحدث معها، مذكّرًا إياها بأن لا أحد يحق له لمسها بطريقة غير لائقة. عندها، أخبرته بتعرضها لاعتداء جنسي من موظف داخل حمام الروضة، بحسب روايته لصحيفة "نيويورك تايمز".

تقدّم الأب بشكوى إلى الشرطة اطّلعت عليها الصحيفة، وأكد محاميه، لوي كاييه، التفاصيل الأساسية لروايته. وخلال الأيام التالية، اكتشف أنه واحد من عشرات الأهالي الذين وجّهوا اتهامات بإساءة معاملة الأطفال في ثلاث مدارس بوسط باريس، بينها روضة "سان دومينيك" التي ترتادها ابنته.

وبحسب تقرير الصحيفة المنشور في 16 أكتوبر، استمعت الشرطة إلى 44 طفلًا في المدارس الثلاث، وأوقفت 16 موظفًا حاليًا وسابقًا في مايو. وأُودع اثنان منهم الحبس الاحتياطي للاشتباه في ارتكابهما جرائم جنسية، أحدهما الموظف المتهم بالاعتداء على الطفلة.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

179 ادعاءً قيد التحقيق

بحلول أكتوبر، كانت النيابة العامة في باريس تحقق في 179 ادعاءً باعتداءات جنسية في مدارس العاصمة، وفق تقرير برلماني نقلت عنه الصحيفة.

وقالت سلطات المدينة إن 74 موظفًا على الأقل، من أصل 14,400 مشرف على الأنشطة خارج أوقات الدروس، أُوقفوا عن العمل منذ يناير بعد اتهامهم بعنف جنسي. ولا يشمل هذا العدد المعلمين، بل العاملين الذين يشرفون على الأطفال خارج الحصص الدراسية.

ولم يُحاكم معظم هؤلاء بعد، فيما أُدين اثنان باعتداءات جنسية على أطفال.

وحذّرت المسؤولة عن جرائم الأطفال في نيابة باريس من أن انتشار القلق قد يؤدي إلى بلاغات بلا أساس، مؤكدة في الوقت نفسه أن فريقها مدرّب على تقييم شكاوى الأطفال واستبعاد الاتهامات الكاذبة.

تحقيقات في تعامل البلدية

تشمل التحقيقات أيضًا اتهامات بالإهمال موجّهة إلى مسؤولين في المدينة، بينهم رئيس بلدية باريس إيمانويل غريغوار وسلفه آن هيدالغو.

وردًا على طلب للتعليق، أحال مكتب هيدالغو إلى تصريحات أدلت بها خلال جلسة استماع برلمانية في سبتمبر، عبّرت خلالها، إلى جانب غريغوار، عن أسفها لما تعرّض له الضحايا.

وأقرّ الاثنان بـ"إخفاق جماعي" في منع مرتكبي الجرائم الجنسية من العمل في المدارس.

واعترف غريغوار بوجود ثغرات في تعامل المدينة مع بلاغات الاعتداء، لكنه نفى أن تكون البلدية حاولت التستر عليها. وقال مكتبه إنه يعمل على إصلاحات شاملة لمنع تكرارها.

من يشرف على الأطفال؟

في رياض الأطفال والمدارس الابتدائية الفرنسية، لا يتولى المعلمون الإشراف خلال الغداء والاستراحة والأنشطة التي تلي الدوام والرعاية النهارية، إذ تقع هذه المسؤولية على موظفين تستعين بهم البلديات.

وبحسب تقرير برلماني صدر في أكتوبر، تواجه السلطات صعوبة في إيجاد أشخاص مؤهلين لهذه الوظائف الجزئية، فتترك بعضها شاغرًا أو تستعين في اللحظة الأخيرة بعاملين مؤقتين يفتقرون إلى التدريب الكافي، وقد لا تكون خلفياتهم خضعت للتحقق بالشكل المطلوب.

وفي باريس، يعمل ثلاثة أرباع المشرفين البالغ عددهم 14,400 بعقود مؤقتة، ولديهم مؤهلات محدودة ذات صلة أو لا يحملون مثل هذه المؤهلات.

بلاغات تعود إلى سنوات

أشار تقرير أُعدّ بطلب من هيدالغو عام 2015 إلى 18 حالة اعتداء جنسي خلال عام في مدارس باريس، تورّط فيها غالبًا عاملون مؤقتون. ورصد غياب إجراءات محددة مسبقًا للتعامل مع هذه الحالات، وأوصى بخمسين تحسينًا، استغرق تنفيذها أكثر من عقد، وفق الصحيفة.

وفي روضة "سان دومينيك"، قال أهالٍ إن أطفالهم وصفوا معاملة قاسية خلال الغداء، شملت سحب الكراسي منهم وإجبارهم على الأكل في الظلام وحرمانهم من الحلوى.

وغادر أحد مشرفي الغداء الروضة بعدما طالب الأهالي بإيقافه. لكنهم لم يتلقوا توضيحًا بشأن وجهته أو ما إذا اتُّخذ إجراء تأديبي بحقه، بحسب شهادتين ومراسلات اطّلعت عليها الصحيفة.

وقال المحامي كاييه إن السلطات نقلت المشرف إلى مدرسة أخرى في باريس، حيث وجّه أهالٍ أيضًا اتهامات إليه باعتداءات جنسية.

أما الموظف الثاني المودع الحبس الاحتياطي، والخاضع للتحقيق للاشتباه في اعتداء جنسي وكشف عورته، فقد عمل في الروضة رغم شكوى قدّمها ابنه يتهمه فيها بمحاولات اغتصاب متكررة خلال طفولته، وفق سجلات الشرطة التي أوردتها الصحيفة.

ورفض محامي مشرف الغداء التعليق، بينما قال محامي الموظف الثاني إن موكله ينفي جميع الاتهامات. ولم يُحاكم الرجلان بعد.