لم تعد التحذيرات من أن الذكاء الاصطناعي قد يهدد بقاء البشرية أفكاراً هامشية تتردد في المنتديات المغلقة، بل تحولت إلى قضية يتبناها باحثون يعملون في قلب الشركات المطورة لهذه التكنولوجيا.

وبينما يتسارع السباق لإنتاج أنظمة أكثر قوة واستقلالية، يتصاعد سؤال مقلق: ماذا لو تعلمت هذه الأنظمة خداع صانعيها والعمل ضد البشر؟

في صيف 2022، وقف إيفان هوبنغر أمام مجموعة جاءت إلى بيركلي بولاية كاليفورنيا للتعرف إلى مخاطر الذكاء الاصطناعي، محذراً من احتمال أن تتعلم الآلات خداع مطوريها. وقال إن النظام، إذا وُضع في موقف يعتقد فيه أنه قادر على قتل البشر، فقد يفعل ذلك بالفعل.

لم يحظَ كلامه باهتمام واسع آنذاك. فقد كان هوبنغر حديث التخرج ويعمل في منظمة غير ربحية صغيرة تنشط في مجال بدا بعيداً عن الاهتمام العام: منع الآلات من القضاء على البشر مستقبلاً.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

لكن التحذير نفسه أحدث ضجة واسعة عندما كرره هذا الأسبوع عبر منصة "إكس". فهوبنغر أصبح قائداً لفريق في شركة "أنثروبيك"، المطورة لروبوت الدردشة "كلود"، وهي واحدة من أبرز شركات الذكاء الاصطناعي في العالم.

وكتب هوبنغر أن الذكاء الاصطناعي قد يقتل جميع البشر، مقدراً احتمال حدوث ذلك خلال العقد المقبل بأكثر من 10%. وجاء منشوره تعليقاً على استقالة زميله جاكوب كوكسون، الذي اتهم "أنثروبيك" بالمضي في سباق تطوير الذكاء الفائق رغم إدراك المخاطر المحتملة.

سرعان ما حصد التحذير عشرات الملايين من المشاهدات، وانتقل الجدل إلى وسائل الإعلام والكونغرس الأميركي. واعتبر السيناتور بيرني ساندرز أن استقالة كوكسون تعني أن الأشخاص الذين يبنون هذه التكنولوجيا يعترفون بأنفسهم بأنها قد تهدد مستقبل البشرية.

من الهامش إلى قلب الصناعة

يعكس اتساع تأثير هوبنغر صعود حركة "سلامة الذكاء الاصطناعي"، التي نشأت في منتديات إلكترونية وتأثرت بأفكار تدعو إلى استخدام التكنولوجيا لتحسين مستقبل الإنسان.

وتقوم رؤيتها على أن الذكاء الاصطناعي سيتجاوز القدرات البشرية في نهاية المطاف، وقد يتسبب في انقراض البشر إذا لم تُضبط أهدافه بما يتوافق مع قيمهم، بحسب تقرير لصحيفة "واشنطن بوست".

وارتبط باحثون من هذه الحركة بتأسيس شركتي "OpenAI" و"أنثروبيك"، قبل أن تتحولا إلى اثنتين من أقوى شركات القطاع.

كما أنفق مانحون أثرياء مئات الملايين من الدولارات على الجامعات والمنظمات والزمالات، ما ساهم في إيصال أفكار الحركة إلى شركات التكنولوجيا والحكومة والإعلام.

لكن المفارقة أن الشركتين، رغم تحذيرات مسؤوليهما المتكررة، لم تبطئا وتيرة تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي، بل واصلتا المنافسة والتوسع، وتقدمتا بإجراءات لطرح أسهمهما في الأسواق.

خطر حقيقي أم توقعات مبالغ فيها؟

ازدادت المخاوف بعد ظهور نماذج قادرة على حل مسائل رياضية معقدة وكتابة البرمجيات وتنفيذ مهام مستقلة، إضافة إلى استخدام وكلاء ذكاء اصطناعي في اختراق خوادم شركات.

ويرى أستاذ الفلسفة في جامعة جونز هوبكنز سيث لازار أن العالم قد يشهد خلال عام أو عامين وكلاء مستقلين ومتمردين يتسببون في اضطرابات واسعة، لكنه يعتبر أن الانتقال من هذه المخاطر إلى سيناريو انقراض البشرية لا يزال قفزة كبيرة.

في المقابل، انتقدت الباحثة السابقة في "غوغل ديب مايند" سارة هوكر تقدير هوبنغر، متسائلة عن الأساس الذي استند إليه في تحديد احتمال الخطر عند 10%.

وهكذا، لا يحسم التقرير ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيقضي على البشرية، لكنه يكشف تحولاً مهماً: التحذيرات التي كانت تُعامل سابقاً باعتبارها خيالاً متطرفاً باتت تصدر اليوم من داخل الشركات التي تقود السباق نفسه.