في منتجع مطل على الشاطئ في سان خوان، عاصمة بورتوريكو، شارك مؤسس شركة "سبيس إكس" إيلون ماسك في نقاش استمر 3 ساعات حول المصير القاتم للبشرية، إذا بدأ الذكاء الاصطناعي في التطور بوتيرة متسارعة.

كانت الجلسة جزءًا من مؤتمر خاص استضافه في أوائل عام 2015 "معهد مستقبل الحياة"، وهو مؤسسة غير ربحية حديثة التأسيس كان مؤسسوها، ومعظمهم من خارج مجال الذكاء الاصطناعي، يعتقدون أن هذه التكنولوجيا الناشئة يمكن أن تصبح قوية إلى درجة تؤدي معها إلى انقراض البشر.

يقودنا إلى الانقراض؟

وكان أول المتحدثين في المؤتمر الفيلسوف في جامعة أكسفورد نيك بوستروم، مؤلف الكتاب الذي حقق مبيعات واسعة "الذكاء الفائق: المسارات والمخاطر والاستراتيجيات". وعرض بوستروم في شرائحه احتمالين متناقضين: أن يساعد الذكاء الاصطناعي البشرية على الانتشار في أنحاء الكون، أو أن يقودها إلى الانقراض.

وضمت قائمة المدعوين، التي لم تتجاوز 80 شخصًا، أسماء بارزة في مجال التكنولوجيا، بينهم مؤسسا شركة "ديب مايند"، التي استحوذت عليها غوغل في العام السابق، إلى جانب ثلاثة من المؤسسين المستقبليين لشركة "أوبن إيه آي"، بينهم ماسك، الذي دعم إطلاق مختبر الأبحاث غير الربحي في وقت لاحق من العام نفسه.

وكان الهدف من المؤتمر منح المخاوف المتعلقة بمخاطر الذكاء الاصطناعي قدرًا أكبر من المصداقية داخل القطاع، وتحفيز الأبحاث الرامية إلى منع هذه المخاطر، بحسب الفيزيائي ماكس تيغمارك، أحد مؤسسي "معهد مستقبل الحياة"، في كتابه "الحياة 3.0: أن تكون إنسانًا في عصر الذكاء الاصطناعي".

تهديد للبشرية

وكتب تيغمارك أن اجتماع هذه النخبة جعل من الصعب القول إن الأشخاص الذين يحذرون من مخاطر الذكاء الاصطناعي "لا يعرفون عما يتحدثون".

وخلال الأسابيع الأخيرة، وصلت التنبؤات المتعلقة بانقراض البشر، والتي استندت إلى أفكار طُرحت في اجتماع عام 2015، إلى جمهور أوسع بعدما أثارها موظفون في شركات رائدة في مجال الذكاء الاصطناعي، لفتوا أنظار العالم إلى هذه المخاوف.

والثلاثاء، استضاف "معهد مستقبل الحياة" فعالية ليوم كامل في واشنطن تحت اسم "الجمعية المؤيدة للبشرية"، حيث وصف السيناتور بيرني ساندرز، المستقل عن ولاية فيرمونت، ومستشار الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، ستيفن ك. بانون، الذكاء الاصطناعي بأنه تهديد للبشرية، في خطابين متتاليين.

وقال تيغمارك لصحيفة "واشنطن بوست": "اضطررت إلى أن أقرص ذراعي مجازيًا لأتأكد من أنني لا أحلم". وأضاف: "الناس يصابون بالهلع بشأن هذا الأمر في مختلف أطياف المشهد السياسي".

هل يمكن اختبار "نهاية البشرية"؟

رغم كثرة التحذيرات من احتمال انقراض البشر، فإن عددًا قليلًا من الباحثين حاول إخضاع هذه الادعاءات للاختبار.

وبعد توقيع عدد من كبار المسؤولين التنفيذيين في شركات الذكاء الاصطناعي على رسالة مفتوحة عام 2023 قالت إن منع انقراض البشر بسبب الذكاء الاصطناعي لا يقل أهمية عن تجنب حرب نووية، حاولت مؤسسة "راند" البحثية المتخصصة في السياسات العامة تقييم قدرة الذكاء الاصطناعي على التسبب في دمار يهدد البشرية بأكملها.

ودرست المؤسسة احتمالات تمكن الذكاء الاصطناعي من الوصول إلى الأسلحة النووية، أو نشر أسلحة بيولوجية، أو تغيير البيئة بحيث تصبح الأرض غير صالحة للحياة البشرية.

وخلص تقرير من 73 صفحة نشرته المؤسسة العام الماضي إلى أن هناك أربعة شروط يحتاج إليها الذكاء الاصطناعي حتى يصبح سيناريو انقراض البشر ممكنًا: الوصول إلى أنظمة قادرة على تنفيذ أفعال في العالم المادي، والقدرة على البقاء والعمل من دون البشر، والقدرة على خداع البشر وتجنب اكتشافه، إلى جانب امتلاك هدف يؤدي إلى انقراض البشر أو منحه هذا الهدف.

لكن "راند" حذرت من أن ظهور أحد هذه القدرات لدى نموذج للذكاء الاصطناعي "لا يعني أن خطر الانقراض مرجح".

وخلص التقرير إلى أنه لا يمكن استبعاد احتمال ظهور تهديد بالانقراض، لكنه أشار إلى أن الادعاء بأن الذكاء الاصطناعي قد يستخدم تقنيات مستقبلية افتراضية للقضاء على البشر "لا يمكن اختباره لأنه لا يمكن دحضه".

السيناريوهات قد تساعد.. لكنها ليست تنبؤات

يرى دانيال كوكوتاجلو، المشارك في تأليف "AI 2027"، وهي مجموعة تنبؤات انتشرت على نطاق واسع بشأن سباق الذكاء الاصطناعي بين الولايات المتحدة والصين، أن رسم سيناريوهات للمخاطر المحتملة يمكن أن يساعد المشرعين على توقع القضايا التي قد تحتاج إلى تنظيم، حتى لو تضمنت هذه الروايات عناصر افتراضية.

وشبّه كوكوتاجلو، وهو موظف سابق في "أوبن إيه آي"، عمل مؤسسته "AI Futures Project" بمحاكاة الجيش الأميركي لحرب محتملة بين الصين وتايوان، من دون معرفة الطريقة التي ستجري بها الحرب فعليًا.

لكنه أشار إلى أن قادة البنتاغون يملكون معلومات واقعية ومفصلة عن قدرات خصومهم وأسلحتهم ونواياهم، في حين أن هذا النوع من المعلومات لا يتوفر بالقدر نفسه عند محاولة التنبؤ بمسار تطور الذكاء الاصطناعي.

في المقابل، قال سوباراو كامبهامباتي، أستاذ علوم الكمبيوتر في جامعة ولاية أريزونا، إن روايات انقراض البشر تغفل غالبًا نصف الصورة، وهي قدرة المجتمعات على التكيف.

وأضاف أن هذه السيناريوهات "تقلل بشكل كبير من قدرة البشر على التكيف"، لأنها تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره نظامًا تقنيًا فقط، وتتجاهل كونه نظامًا اجتماعيا وتقنيًا في الوقت نفسه.

لماذا يبدو خطر الانقراض أكثر واقعية الآن؟

يقول تيغمارك إن التطورات الأخيرة جعلت إقناع الأميركيين بأن الذكاء الاصطناعي قد يشكل خطرًا على بقاء البشر أسهل مما كان عليه في السابق.

وأوضح أن محاولاته السابقة لشرح هذه المخاطر كانت تصطدم بثلاثة أسئلة رئيسية: هل يمكن للآلات فعلًا أن تصبح أذكى من البشر؟ وهل يمكن للبشر أن يفقدوا السيطرة عليها؟ ولماذا وكيف قد تقتل البشر جميعًا؟

ويرى تيغمارك أن السؤالين الأول والثاني أصبحا أكثر وضوحًا لدى الجمهور، بعدما تمكنت نماذج للذكاء الاصطناعي من حل سلسلة من المسائل الرياضية التي ظلت صعبة لسنوات طويلة، وبعدما تمكنت وكلاء ذكاء اصطناعي من "أوبن إيه آي" من اختراق شركة أخرى.

أما السؤال المتعلق بكيفية ولماذا قد ينتهي الأمر بانقراض البشر، فيعود فيه النقاش إلى تجربة فكرية قديمة طرحها بوستروم.