تزيد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتلاحقة، عبر منصته تروث سوشال ومقابلاته الهاتفية مع الصحافيين، من الغموض المحيط باستراتيجيته حيال إيران، مع ما تتسم به من تغيّرات مفاجئة ونبرة متناقضة.

وشكّل يوم الثلاثاء مثالا بارزا، إذ استهلّه ترامب بتأكيده عبر شبكة "سي إن بي سي" أنه لن يمدّد وقف إطلاق النار المعلن في 7 نيسان، قبل أن يعلن بعد ساعات عبر منصته الإبقاء على الهدنة حتى إشعار آخر، في موقف مغاير.

وقال أيضا إنه ينتظر "مقترحا" من طهران، رغم تأكيده في مقابلة سابقة أنه لم يعد هناك "نقاط خلاف" مع السلطات الإيرانية.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

تصحيحات متكررة

يعلّق الرئيس الأميركي على الحرب بشكل شبه فوري من خلال تفاعلات من هذا النوع مع الصحافيين، الذين يتصلون به على هاتفه المحمول، فيرد عليهم بإجابات سريعة متفاوتة في حدّتها.

وخلال الأيام الأخيرة، اضطر البيت الأبيض في مناسبتين إلى تصحيح تصريحات أدلى بها ترامب.

فقد أعلن ترامب الأحد لقناة "إيه بي سي" أن نائبه جيه دي فانس لن يقود الوفد الأميركي في استئناف المحادثات مع إيران في باكستان، وهو ما تم نفيه سريعا.

والاثنين، أكد ترامب لصحيفة "نيويورك بوست" أن المفاوضين في طريقهم إلى إسلام آباد، في حين لم يكن نائب الرئيس ولا الموفدون الآخرون قد غادروا الولايات المتحدة الثلاثاء.

ويرى أستاذ الاتصال في جامعة كانساس روبرت رولاند لفرانس برس أن هذه الممارسات تتعارض مع القناعة الراسخة بأن "اتصالات الرئيس الأميركي يجب أن تكون مؤمّنة" وأن "وقته ثمين".

ولكن نيويورك تايمز، ترى في تقرير لها أن ترامب يعتبر في أسلوبه أداة يُجبر من خلالها خصومه على الرضوخ للمطالب الأميركية.

إلا أن الرئيس الجمهوري، وبعد ستة أسابيع من المواجهة، أصبح واضحا له أنه يواجه خصما صعبا، والمثال على ذلك هو ما حدث مؤخرا عندما حاول استمالة الإيرانيين بالادعاء بأنهم استسلموا بالفعل، إذ أصرّ يوم الجمعة على أنهم "وافقوا على كل شيء"، بما في ذلك تسليم "غبارهم النووي"، بحسب الصحيفة الأميركية.

"لا يستشير أحدا"

وكشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن ترامب لا يستشير أحدا قبل نشر رسائل على منصته تتضمن أحرفا كبيرة وعلامات تعجب، وتمزج بين تهديدات كارثية وصياغات عفوية، وأحيانا فجة.

وأضافت الصحيفة أن محيط الرئيس أبعده جزئيا خلال عملية إنقاذ طيار أميركي في إيران مؤخرا، خشية أن تؤثر "اندفاعته" على سير العملية.

ويرى رولاند أن هذه الاندفاعة تظهر أيضا في "تجاوزات" متكررة للأعراف، بما في ذلك ما يتعلق بالقوات المسلحة التي تحظى باحترام واسع لدى الأميركيين.

مزاج متقلب في مواجهة "قيادة عنيدة"

لذلك تقول نيويورك تايمز أنه مع محاولة الفريقين للاجتماع مرة ثانية للتفاوض "على إطار عمل" للتوصل إلى اتفاق، فإن النهجين في التفاوض سيصطدمان.

يقول روبرت مالي، الذي تفاوض مع الإيرانيين قبل التوصل إلى الاتفاق النووي عام 2015، ومرة أخرى في محاولة فاشلة من إدارة الرئيس جو بايدن: "ترامب مندفع ومتقلب المزاج، أما القيادة الإيرانية فهي عنيدة".

كل طرف على ضفة

يقول مالي: "ترامب يطالب بنتائج فورية، أما القيادة الإيرانية فتلعب لعبة طويلة الأمد. ترامب يصر على نتيجة مبهرة تتصدر عناوين الأخبار، أما طهران فتهتم بأدق التفاصيل. ترامب يعتقد أن القوة قادرة على فرض الطاعة، أما طهران فهي مستعدة لتحمل ألم هائل بدلا من التنازل عن مصالحها الجوهرية".

وتلفت الصحيفة إلى أن مفاوضات النووي الأخيرة في عهدي أوباما وبايدن التي أنجزت قبل 11 عاما، استغرقت ما يقرب العامين، بعد أن انتقلت من محادثات سرية مع رئيس إيراني جديد آنذاك ذي نزعة براغماتية إلى مفاوضات شاملة تضمنت عشرات الاجتماعات.

وقد بلغت الاتفاقية النهائية أكثر من 160 صفحة، بما في ذلك خمسة ملاحق فنية حددت القيود المفروضة على الأنشطة النووية الإيرانية، ووتيرة تخفيف العقوبات، والأهم من ذلك، التزامات إيران بالامتثال لعمليات التفتيش التي تجريها الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ومنذ نقض ترامب للاتفاق النووي في عام 2018، لأن اتفاق عام 2015 لم يكن معاهدة رسمية، يصر الإيرانيون على أنه لا جدوى من التفاوض إذا كان الرئيس التالي سينسحب مجددا من أي اتفاق قد يتم التوصل له.

تناقضات أسلوب ترامب

في الآونة الأخيرة، أشار مسؤولون إيرانيون إلى أن الرئيس ترامب أمر مرتين متتاليتين، في يونيو 2025 و28 فبراير الماضي، بشنّ هجمات على إيران في خضمّ مفاوضات دبلوماسية. واعتبر الإيرانيون ذلك غدرا، ودليلا على أن ترامب ليس وسيطا يُعتمد عليه.

وتحوّل انعدام الثقة إلى إطلاق نار خلال عطلة نهاية الأسبوع، قرب مضيق هرمز، عندما أطلقت زوارق إيرانية النار على سفينتي شحن زعمت أنهما تخالفان سيطرة الحرس الثوري الصارمة على السفن المسموح لها بالمرور عبر المضيق.

ويوم الأحد، أطلقت البحرية الأميركية النار على غرفة محركات سفينة حاويات ضخمة ترفع العلم الإيراني، والتي استولت عليها البحرية الأميركية.

وكتب ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي: "السفينة تحت سيطرتنا الكاملة، ونتحقق مما على متنها!".

تقول الصحيفة إن إحدى طرق تفسير هذه التحركات هي أنها محاولات لتوجيه جلسات التفاوض، تماما كما يحاول القادة العسكريون توجيه ساحة المعركة.

من المدح إلى التحذير

تقول "نيويورك تايمز" إن هذا أحدث مثال على كيف انحرف ترامب من مدح القادة الإيرانيين الجدد، الذين حلوا محل من قُتلوا في الضربات التي بدأت في 28 فبراير، ووصفهم بأنهم "أكثر اعتدالا" من أسلافهم، إلى تحذيرهم من المزيد من العنف إذا لم يُلبَّى طلبه.

بموازاة هذا الموقف الأميركي، كتب رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف في منشور على منصة "إكس" صباح الثلاثاء: "لا نقبل التفاوض تحت وطأة التهديدات"، مضيفا أن إيران كانت تستعد "لكشف أوراق جديدة في ساحة المعركة.