كشفت مصادر وثيقة الصلة داخل أروقة الحكم في طهران، إلى جانب عناصر في الحرس الثوري، عن كواليس مخطط سرّي نفذته أجنحة متشددة لإجهاض اتفاق السلام التاريخي مع الولايات المتحدة، بحسب تقرير مطول لصحيفة نيويورك تايمز.
وتمثلت ضربة البداية في هجوم استهدف سفناً تجارية بكرّات اللهب في مضيق هرمز، مما تسبب في غضب عارم للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ودفع المنطقة مجدداً إلى أتون المواجهة الشاملة.
كيف تم تنفيذ المخطط؟
قال مسؤولون إيرانيون من داخل النظام إن معارضين للاتفاق أطلقوا جهدًا سريًا لتنفيذ هجمات على سفن في مضيق هرمز، في محاولة لإفشال الاتفاق مع الولايات المتحدة، فيما أصيب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بالغضب عندما علم بما حدث.
كان بزشكيان في أوج قوته السياسية مطلع يوليو، بعدما خرج لتوه من مفاوضات ناجحة أفضت إلى اتفاق سلام مع الولايات المتحدة، وتوجه إلى العراق المجاور للمشاركة لعدة أيام في مراسم تشييع مطولة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي الذي قُتل خلال الحرب.
لكنه فجأة، تلقى خبرا صادما، فقد فتحت القوات الإيرانية النار على 3 سفن تجارية في مضيق هرمز، وأضرمت النار في ناقلة غاز طبيعي مسال قطرية، وألحقت أضرارًا بسفن أخرى، ما وضع إيران تحت ضغط دولي واسع.
الحرس يتبرأ من الهجوم
وبحسب 5 مسؤولين إيرانيين وعضوين في الحرس الثوري مطلعين على الأحداث، اتصل بزشكيان غاضبًا باللواء أحمد وحيدي، القائد العام للحرس الثوري الإيراني، ورفع صوته وهو يصف الهجمات بأنها متهورة، مطالبًا بتفسير لما حدث.
وقال المسؤولون إن وحيدي أبلغ الرئيس بأنه لم يأذن بالهجوم، ولم يكن على علم مسبق به. كما أبلغه بأن المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي يؤدي دورًا محوريًا في الحرب والمفاوضات على حد سواء، لم يكن على علم بالعملية أيضًا.
فصيل هامشي استغل غياب المرشد
في الواقع، لم يكن جزء كبير من قيادة البلاد يعلم أن فصيلًا متشددًا هامشيًا قرر التحرك بمفرده. وفي نهاية المطاف، أدت تلك التحركات السرية إلى إفشال مساعي تيار أكثر اعتدالًا وبراغماتية داخل إيران لإنهاء الأعمال القتالية مع الولايات المتحدة وإعادة إنعاش اقتصاد البلاد المتعثر.
ونجح المتشددون جزئيًا لأن الشخص الوحيد الذي يمتلك سلطة حسم مثل هذه الخلافات، المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي، غائب منذ توليه المنصب في مارس.
فلم يظهر علنًا، ولم يُسمع صوته، كما أثيرت شكوك بشأن صحة البيانات والرسائل المكتوبة المنسوبة إليه، حتى من جانب بزشكيان نفسه، وفقًا لـ3 مسؤولين إيرانيين.
عاد بزشكيان فورًا إلى طهران. وفي صباح اليوم التالي، وبينما كانت مراسم التشييع لا تزال مستمرة، ردت الولايات المتحدة بشن غارات جوية على إيران، وعاد البلدان إلى الحرب.
أكبر مواجهة داخلية في تاريخ طهران
وقال مسؤولون إيرانيون كبار وعضو في الحرس الثوري، في مقابلات، إن ما تلا ذلك كان من أكثر المواجهات السياسية اضطرابًا داخل القيادة الإيرانية في الذاكرة الحديثة. وتبادل مسؤولون الصراخ، وهدد جنرالان بارزان بالاستقالة، بينما انهالت الاتهامات بالخيانة والغدر.
وبحسب المسؤولين، ساهمت تداعيات تلك المواجهات في إحداث تغييرات داخل المجلس الأعلى للأمن القومي، كما دفعت المرشد الأعلى إلى تعيين اللواء محسن رضائي، السياسي المخضرم والقائد السابق للحرس الثوري، على رأس المجلس، إذ كان يُنظر إليه باعتباره قادرًا على التوسط بين الفصائل السياسية المتنافسة.
لكن الانقسامات لا تزال قائمة، فيما أصبح المتشددون الذين دفعوا إيران نحو التصعيد في موقع أقوى.
ويستند هذا التقرير عن المداولات الداخلية لقيادة إيران إلى مقابلات مع 8 مسؤولين إيرانيين، و3 أعضاء في الحرس الثوري، و4 مسؤولين سابقين، إضافة إلى مراجعة عشرات الخطب والتصريحات لمسؤولين حكوميين وقادة عسكريين نُشرت في الصحافة الإيرانية ووسائل التواصل الاجتماعي بين يونيو وسبتمبر.
رجل المخابرات النافذ أشعل المواجهة
وقال 3 مسؤولين إيرانيين إن التحقيقات التي أجرتها الحكومة والأجهزة الأمنية خلصت إلى أن قرار مهاجمة السفن التجارية الثلاث في يوليو يعود إلى رجل الدين حسين طائب، وهو مسؤول استخباراتي نافذ عارض اتفاق السلام مع الولايات المتحدة منذ البداية.
وقال المسؤولون إن طائب كان يبلغ المرشد الأعلى الجديد بأن إيران ارتكبت خطأ بإنهاء الحرب والموافقة على الاتفاق.
وفي خطاب ألقاه مؤخرًا أمام عائلات عسكريين، قال طائب إنه لم يكن معارضًا للمفاوضات، لكنه أضاف أن "المفاوضات التي تتجاهل حقوق شعبنا وتقدم تنازلات للمطالب المفرطة للعدو لا مكان لها في سياسة إيران".
وكان خامنئي قد عين طائب مؤخرًا رئيسًا لقوات الباسيج، المسؤولة عن قمع المعارضة الداخلية.
وسبق لطائب أن تولى لأكثر من 20 عامًا رئاسة جهاز استخبارات الحرس الثوري، قبل أن يعزله المرشد الأعلى السابق في عام 2022 على خلفية إخفاقات، من بينها اختراق إسرائيلي لصفوف الجهاز.
وعاد طائب إلى الواجهة بعد مقتل المرشد الأعلى السابق، في بداية الحرب، ولعب دورًا محوريًا في اختيار نجله مجتبى خلفًا له، وفقًا لما قاله مسؤولون في ذلك الوقت.
وعندما طالب بزشكيان بمعرفة الجهة التي هاجمت السفن الثلاث، أُبلغ بأن قادة ميدانيين تصرفوا من تلقاء أنفسهم، تنفيذًا لأمر يمنحهم صلاحية مهاجمة أي سفينة تنتهك سيطرة إيران على المضيق من دون انتظار موافقة القيادة المركزية، وفقًا للمسؤولين المطلعين على تلك المناقشات.
وكان أحد مؤشرات الخلاف أن مقر خاتم الأنبياء التابع للحرس الثوري لم يصدر بيانًا يتبنى مسؤولية هجوم 7 يوليو، على خلاف ما جرت عليه العادة في هجمات أخرى قبل ذلك وبعده.
وفي الساعات التي أعقبت الهجمات، نقل مسؤولون إيرانيون الرواية نفسها إلى الولايات المتحدة وبعض حلفائها الإقليميين، وألقوا باللوم على عناصر مارقة، وفقًا لمسؤولين أميركيين أطلعوا الصحفيين على التطورات في ذلك الوقت، إضافة إلى 3 مسؤولين إيرانيين.
في غضون ذلك، هاجم المتشددون علنًا فريق التفاوض واتفاق السلام في الشوارع وعلى التلفزيون الرسمي الإيراني، بينما هتفت حشود في تجمعات ليلية مطالبة بالعودة إلى الحرب.
وأعدت الحكومة الإيرانية رواية رسمية لإبعاد المسؤولية عن انهيار الاتفاق، قائلة إن واشنطن انتهكته أولًا، من خلال عدم وقف الهجمات الإسرائيلية على حزب الله في لبنان، واحتجاز الأصول الإيرانية المجمدة، وإرسال سفن عبر جزء من مضيق هرمز لا تسيطر عليه إيران.
لكن 5 مسؤولين قالوا إن قلة من دوائر السياسة الإيرانية مقتنعة بهذه الرواية، بمن فيهم بزشكيان نفسه.
وقال بزشكيان علنًا الشهر الماضي إن كل اتفاق يشهد انتهاكات، وإنه ينبغي معالجة هذه الانتهاكات من خلال الحوار وليس المواجهة.
وعندما أبلغه جنرالات، بعيدًا عن العلن، بأن خامنئي وافق على هجوم يوليو على السفن الثلاث، طالب الرئيس بتقديم دليل على ذلك، وفقًا لـ3 مسؤولين إيرانيين.
المرشد الشبح.. أين خامنئي
بموجب نظام الحكم الإيراني، يمتلك المرشد الأعلى السلطة النهائية لحسم الخلافات الداخلية، لكن مكان مجتبى خامنئي، وحالته الصحية والجسدية، وقدراته العقلية، ومدى مشاركته في شؤون الدولة، أصبحت جميعها مواضيع لتكهنات واسعة.
وقال علي رضا بيروزمند، وهو رجل دين بارز وأكاديمي في الجامعة الوطنية للدفاع في إيران، في مقابلة مع التلفزيون الرسمي أواخر يوليو: "الوضع الأمني يتطلب حمايته، لكنني أتساءل: إلى متى سيستمر هذا؟ 6 أشهر؟ سنة؟ 5 سنوات؟ 10 سنوات؟". وأضاف: "إذا لم نتمكن من رؤية قائدنا، فسنبقى في حالة دائمة من الضعف والتراجع".
وأدت التصريحات القليلة المنسوبة إلى المرشد الغائب بشأن اتفاق السلام إلى زيادة حدة الخلاف.
فبعد توقيع الاتفاق، صدر بيان باسمه قال إنه وافق عليه لأنه حظي بتأييد الرئيس وأغلبية أعضاء المجلس الأعلى للأمن القومي، لكنه أضاف أنه كان يحمل رأيًا مختلفًا "من حيث المبدأ".
وأصبحت عبارة "من حيث المبدأ" تتكرر على نحو متزايد في هجمات المتشددين على الاتفاق.
وفي مايو، قال بزشكيان إنه التقى خامنئي، لكنه لم يحدد متى أو أين جرى اللقاء، وقال مسؤولان إيرانيان ومسؤول سابق إن ظروف اللقاء كانت غريبة.
وأوضحوا أن سيارة إسعاف ذات نوافذ معتمة استُخدمت لنقل بزشكيان، بينما أُنشئت وصلة فيديو آمنة. وظهر على شاشة شخص قال إنه وسيط لخامنئي، وتولى نقل الرسائل بين الرجلين.
وبحسب المسؤولين المطلعين على الاجتماع، أبلغ بزشكيان حليفًا مقربًا منه بأنه غير متأكد من أنه كان يتواصل بالفعل مع المرشد الأعلى.
وفي الشهر الماضي، قال بزشكيان إنه حصل على لقاء ثانٍ استمر 7 ساعات.
وقال الرئيس للتلفزيون الرسمي الإيراني: "تحدثنا عن جميع القضايا التي تواجه البلاد"، مشيرًا إلى القدرة على تحمل تكاليف المعيشة، والبطالة، والعقوبات، والوحدة، والصمود خلال الحرب.
لكنه لم يصف ظروف اللقاء، ولم يكشف عما قاله خامنئي.
خطة الحرب
على مدى أسابيع، ناقش القادة السياسيون والجنرالات الذين يديرون إيران خيارين لكسر حالة الجمود مع الولايات المتحدة، وفقًا لمسؤولين.
يقوم الخيار الأول على محاولة العودة إلى المفاوضات، أما الثاني، فيتمثل في تصعيد الهجمات على أهداف أميركية، بهدف استهداف السفن الحربية، وقتل جنود أميركيين، ورفع أسعار النفط عالميًا
وكان الهدف من كلا الخيارين إنهاء الحصار البحري الأميركي على الموانئ الجنوبية لإيران، والذي أصاب التجارة بالشلل وأدى إلى توقف مبيعات النفط تمامًا، وفقًا للمسؤولين.
ودفع جنرالات متشددون، بينهم العميد سيد مجيد موسوي، قائد القوة الجو-فضائية في الحرس الثوري، باتجاه المواجهة، وفقًا لمسؤولين وعضوين في الحرس الثوري.
وقال الجنرالات للمجلس الأعلى للأمن القومي إنهم وضعوا خطة حرب مفصلة تنص على أن تكثف إيران والميليشيات المتحالفة معها، خصوصًا الحوثيين في اليمن والفصائل في العراق، هجماتها، بما في ذلك استهداف منشآت نفطية في المنطقة، بما يؤدي إلى توسيع نطاق الحرب ورفع كلفتها على الولايات المتحدة وحلفائها.
وكان بزشكيان ومحمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان وكبير المفاوضين مع الولايات المتحدة، من بين المسؤولين الذين حذروا من أن خطة الحرب قد تدفع البلاد إلى الهاوية، مع تعريضها لغارات جوية أميركية أكثر شدة وضغوط اقتصادية أشد وطأة.
لكن بحلول السبت الماضي، كان الفصيل المتشدد قد بسط نفوذه.





