بعد أسابيع من إعلان انتهاء مهمة "قوات سوريا الديمقراطية" كقوة عسكرية مستقلة ودمج مقاتليها ضمن مؤسسات الدولة السورية، بدأت تحديات المرحلة التالية تظهر سريعاً في شمال شرقي البلاد، حيث تصاعدت مخاوف داخل المجتمع الكردي بشأن التعليم والوقود ومستقبل المقاتلات الكرديات.
ولعل المشهد الأخير ظهر على الطريق الدولي M4 الدولي قرب تل تمر، حيث قطع محتجون الطريق احتجاجاً على ارتفاع أسعار المحروقات، ما أدى إلى تكدس مئات صهاريج النفط القادمة من حقول القامشلي ورميلان،، وفقا لوكالة الأنباء السورية "سانا".
كما طالب المحتجون بالتراجع عن الزيادات الأخيرة قبل إعادة فتح الطريق.
وجاءت الاحتجاجات بعد رفع الحكومة أسعار البنزين بنحو 30٪ والديزل بنحو 40٪، وفق وكالة أسوشيتد برس، التي ربطت القرار بارتفاع أسعار الطاقة عالمياً وأعمال الإصلاح في مصفاة بانياس.
في حين اكتسبت الأزمة حساسية إضافية في الشمال الشرقي، حيث اعتاد السكان خلال سنوات سيطرة الإدارة المرتبطة بـ"قسد" على وقود مدعوم وأسعار أقل.
لكن الوقود ليس سوى جزء من صورة أوسع، وفقا لوكالة "أسوشيتيد برس".
معركة اللغة تدخل المدارس
بالتزامن، شهدت القامشلي والحسكة احتجاجات طلابية على الترتيبات الجديدة لتدريس اللغة الكردية.
وبعد سنوات كان فيها جزء كبير من التعليم في مناطق الإدارة الذاتية يجري بالكردية، اعترفت دمشق بالكردية كلغة وطنية وأتاحت تدريس بعض المواد بها، لكن الترتيبات الجديدة تخصص 3 حصص أسبوعياً للغة الكردية، فيما تبقى مواد أساسية كالرياضيات والعلوم بالعربية.
وبالنسبة إلى طلاب تلقوا تعليمهم بالكردية منذ سنوات، فإن الانتقال أثار مخاوف من خسارة أحد أبرز المكاسب التي تحققت خلال فترة الإدارة الذاتية.
في المقابل، قال وزير التربية محمد عبد الرحمن تركو أمام البرلمان إن تحويل المنهاج بأكمله إلى الكردية يواجه مشكلات عملية، من بينها توفير مدرسين لجميع الاختصاصات واستمرار الطلاب لاحقاً في التعليم الجامعي.
مقاتلات YPJ
لعلها العقدة الأكثر حساسية، فـ"وحدات حماية المرأة" YPJ، التي لعبت دوراً بارزاً في الحرب على تنظيم داعش، تريد الحفاظ على كيان نسائي منظم بعد حل "قسد".
وقالت القيادية في الوحدات نوروز أحمد لأسوشيتد برس، إن المقترح المطروح يقضي بانضمام المقاتلات إلى وزارة الداخلية، وإن الوحدات طلبت أن تكون ضمن فوج تابع لإدارة المهام الخاصة. لكن بحسب روايتها، أبدت دمشق استعداداً لزيادة وجود النساء في وزارة الداخلية والأمن العام، من دون الموافقة على إدخالهن ضمن قوات المهام الخاصة، وفقا لصحيفة "واشنطن بوست".
يأتي هذا بينما يبلغ عدد مقاتلات YPJ حالياً نحو 1500 مقاتلة وفق أحمد، بعدما وصل العدد في ذروة قوة التشكيل إلى نحو 5 آلاف.
كما تطالب الوحدات ببقاء المقاتلات في مناطق عملهن الحالية في الحسكة وحلب، وهي نقطة قالت أحمد إن الحكومة أبدت انفتاحاً عليها، بينما لا تزال التفاصيل قيد التفاوض.
بالمقابل، لم تعلق وزارة الداخلية لم تعلق على المحادثات.
وهنا تظهر واحدة من أبرز مفارقات الاندماج، إذ انتهت قسد رسمياً كقوة مستقلة، لكن مصير أحد أشهر تشكيلاتها لم يُحسم بعد.
عن هذا رأى نوح بونسي، كبير مستشاري الشأن السوري في مجموعة الأزمات الدولية، أن ارتفاع تكاليف المعيشة يمكن أن يتحول إلى عقبة أمام عملية الاندماج، خصوصاً بين الأكراد الذين كانوا مستعدين لرؤية بعض إيجابيات العودة إلى مؤسسات الدولة.
لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن الطرفين قطعا شوطاً مهماً منذ اتفاق وقف القتال والانتقال إلى التنفيذ التدريجي للاندماج، وفقا لصحيفة "واشنطن بوست".
اتفاق غيّر موازين القوة
تعود جذور المرحلة الحالية إلى اتفاق الاندماج الذي نص على نقل المؤسسات المدنية في الحسكة إلى الدولة، ووضع المعابر وحقول النفط والغاز تحت سيطرة الحكومة، ودمج العناصر العسكرية والأمنية التابعة لـ"قسد" في وزارتي الدفاع والداخلية.
كما نص الاتفاق على الاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية للأكراد وعلى ترتيبات خاصة بكوباني(عين العرب)، إلى جانب إخراج قيادات وعناصر حزب العمال الكردستاني غير السوريين من البلاد.
وفي 25 أغسطس أعلن مظلوم عبدي انتهاء مهمة "قسد" وحلها كقوة عسكرية مستقلة بعد دمجها في ألوية الجيش السوري، لتنتهي بذلك رسمياً مرحلة استمرت سنوات امتلكت خلالها القوات الكردية نفوذاً عسكرياً وإدارياً واسعاً في شمال شرق البلاد.
غضب يتراكم
يذكر أنه إلى جانب التعليم والمحروقات، زادت أحداث أمنية أخيرة من حدة الاحتقان، بعدما أثار مقتل مقاتل كردي سابق انضم إلى الجيش السوري بعد اتفاق الاندماج توتراً في الحسكة، فيما شهد سجن في كوباني اضطرابات وحريقاً أدى إلى مقتل عدد من السجناء.
وتوجه مظلوم عبدي، الذي أصبح مستشاراً للرئيس أحمد الشرع، إلى المدينة للمشاركة في مراسم تشييع ومحاولة تهدئة الأوضاع.





