تبنّى الجيش الإسرائيلي استراتيجية أمنية جديدة تقوم على نقل خط الدفاع الأول من الحدود الإسرائيلية إلى عمق الأراضي المجاورة، في تحول يعيد رسم خريطة المواجهات في غزة وجنوب لبنان وسوريا، لكنه يضع إسرائيل أمام معضلة متزايدة حول إمكانية الحفاظ على انتشار عسكري واسع من دون الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة الأمد.
وقد طرح تحليل نشرته صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، تساؤلات بشأن الكلفة الحقيقية لهذه الاستراتيجية، التي وسّعت نطاق السيطرة العسكرية الإسرائيلية خارج حدودها، بينما خلّفت العمليات العسكرية دماراً واسعاً في مناطق سكنية ومخيمات للاجئين في غزة وجنوب لبنان والضفة الغربية.
وتكمن المفارقة في أن نقل خطوط الدفاع إلى أراضي "الخصوم" قد يمنح الجيش الإسرائيلي عمقاً أمنياً إضافياً، لكنه يفرض عليه في المقابل مسؤولية حماية مواقع جديدة، وتأمين طرق الإمداد، ومواجهة تهديدات مستمرة على مساحات أوسع، بما يجعل الانسحاب أكثر تعقيداً مع مرور الوقت.
من الدفاع عن الحدود إلى التمركز خارجها
تقوم العقيدة الإسرائيلية الجديدة على إبعاد مصادر التهديد عن التجمعات السكانية الإسرائيلية، عبر إنشاء مواقع محصنة وطرق عسكرية وحواجز داخل الأراضي المقابلة، بدلاً من الاكتفاء بمراقبة الحدود والتصدي للهجمات عند وقوعها.
ففي قطاع غزة، تحول ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" إلى منطقة انتشار عسكري واسعة، حيث أنشأ الجيش الإسرائيلي أكثر من 30 موقعاً عسكرياً داخل القطاع، شُيّد نحو ثلثها بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ العام الماضي.
وأوضحت الصحيفة أن القوات الإسرائيلية تواصل إزالة المباني والأنفاق في المناطق الخاضعة لسيطرتها، فيما توسعت مساحة انتشارها إلى نحو 70% من القطاع، وفق التقديرات التي أوردها التقرير.
لبنان وسوريا.. خطوط أمنية جديدة
وفي جنوب لبنان، تتكرر سياسة إنشاء المناطق الأمنية داخل أراضي الخصوم، مع استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي رغم اتفاقات وقف إطلاق النار، وربط الانسحاب بترتيبات تضمن إبعاد حزب الله عن المناطق الحدودية.
أما في جنوب سوريا، فتعمل إسرائيل على توسيع خط عسكري يُعرف باسم "سوفا 53"، يمتد داخل محافظتي القنيطرة ودرعا، ويتضمن طرقاً وحواجز وتحصينات عسكرية.
وقد ذكرت صحيفة "ذا ناشيونال"، أن هذا الخط يمثل جزءاً من استراتيجية إسرائيلية تقوم على الدفاع المتقدم، رغم استمرار الاتصالات الأمنية بين دمشق وتل أبيب برعاية أميركية.
كما يطرح الانتشار الإسرائيلي داخل سوريا تحدياً سياسياً إضافياً، إذ تطالب دمشق بالعودة إلى خطوط فصل القوات لعام 1974، بينما تواصل إسرائيل إنشاء بنية عسكرية يمكن أن تجعل الانسحاب المستقبلي أكثر تعقيداً.
كلفة الحرب.. مئات المليارات من الشواكل
تظهر الأرقام الاقتصادية حجم العبء الذي تفرضه المواجهات المستمرة على إسرائيل. فبحسب تقرير نشرته صحيفة "كالكاليست" الاقتصادية الإسرائيلية، اقترب إجمالي ميزانيات وزارة الدفاع خلال الفترة الممتدة بين عامي 2023 و2026 من 540 مليار شيكل، أي نحو 177 مليار دولار، مقارنة بنحو 238 مليار شيكل خلال السنوات الأربع السابقة.
ويعني ذلك أن الإنفاق الدفاعي في هذه الفترة تجاوز ضعف مستواه في الفترة المقارنة، نتيجة العمليات العسكرية المتواصلة على جبهات متعددة، واستدعاء عشرات آلاف جنود الاحتياط، واستهلاك الذخائر بوتيرة مرتفعة، والحاجة إلى تعويض المخزونات العسكرية.
رغم ذلك، لا يمثل مبلغ 177 مليار دولار الكلفة الإضافية للحرب وحدها، بل إجمالي ميزانيات الدفاع خلال السنوات الأربع، وهو فارق ضروري لفهم حجم الإنفاق من دون المبالغة في تقدير التكلفة المباشرة للقتال.
كما لا تقتصر كلفة الاستراتيجية الجديدة على شراء الأسلحة أو بناء التحصينات، بل تمتد إلى الموارد البشرية التي يحتاج إليها الجيش للحفاظ على مواقعه. فكل منطقة انتشار إضافية تتطلب قوات للمراقبة والدوريات والحماية، إلى جانب وحدات الدعم اللوجستي والاستخباراتي والهندسي.
ومع استمرار العمليات، تصبح الحاجة إلى جنود الاحتياط أكثر إلحاحاً، بما ينعكس على سوق العمل والإنتاجية والنشاط الاقتصادي.
وأشار تقرير "كالكاليست" إلى أن التعبئة المتكررة والمطولة لجنود الاحتياط، واستنزاف مخزونات الذخيرة، وإعادة تأهيل عشرات آلاف المصابين، تشكل أعباء مالية مستمرة تتجاوز النفقات المباشرة للعمليات العسكرية.
كلفة سياسية وإنسانية تتجاوز الحسابات العسكرية
في المقابل، تفرض السيطرة العسكرية المستمرة على الأراضي الفلسطينية واللبنانية والسورية كلفة سياسية وإنسانية يصعب فصلها عن الحسابات الأمنية. ففي غزة، كشفت صحيفة "فايننشال تايمز"، أن العمليات الإسرائيلية استمرت بعد مرور نحو عام على وقف إطلاق النار، مع مواصلة هدم المباني وتوسيع المناطق الخاضعة للسيطرة العسكرية.
ووفق التقرير، تجاوز عدد الفلسطينيين الذين قُتلوا منذ بدء الهدنة 1400 شخص، استناداً إلى بيانات وزارة الصحة الفلسطينية، بينما بقيت مساحات واسعة من القطاع خارج متناول السكان النازحين.
كما تخلق هذه الأوضاع تحدياً إضافياً أمام إسرائيل، إذ إن استمرار السيطرة على الأرض من دون ترتيبات سياسية متفق عليها قد يؤدي إلى إطالة أمد النزاع، وزيادة الضغوط الدولية، وتعقيد جهود إعادة الإعمار وعودة السكان.
وعن إمكانية أن تتحول المناطق العازلة إلى حرب دائمة، تمنح خطوط الدفاع المتقدمة إسرائيل مزايا عسكرية تتمثل في توسيع مجال المراقبة وإبعاد بعض التهديدات عن حدودها، لكنها تحمل في الوقت نفسه مخاطر استراتيجية.
فكلما توسعت مساحة الانتشار، ارتفعت الحاجة إلى القوات والموارد، وأصبحت المواقع العسكرية الجديدة أهدافاً محتملة للهجمات، ما قد يستدعي عمليات إضافية لحمايتها.
وبحسب "هآرتس"، قد يحقق الجيش الإسرائيلي مكاسب ميدانية عبر نقل المواجهة إلى أراضي الخصوم، لكنه يواجه سؤالاً أصعب يتعلق بقدرته على تحويل تلك المكاسب إلى أمن مستدام.
وفي غياب تسويات سياسية تحدد مستقبل الانسحاب وترتيبات الحدود، قد تتحول المناطق العازلة من إجراءات أمنية مؤقتة إلى التزامات عسكرية طويلة الأمد.





