على امتداد واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، تتشكل ملامح عملية عسكرية معقدة بهدوء. مضيق هرمز، الذي كان يعبره يوميا ما بين 120 و140 ناقلة نفط قبل الحرب، شهد تراجعا حادا في الحركة، إذ لم يعد عدد الناقلات في أبريل يتجاوز 20 إلى 30 ناقلة يوميا، في مؤشر واضح على تأثير التصعيد والحصار البحري.
كيف تُدار عملية المراقبة والسيطرة؟
بحسب ما أوردته وول ستريت جورنال، نشرت الولايات المتحدة أكثر من 15 سفينة حربية في محيط المضيق، ضمن منظومة بحرية أوسع تشمل حاملة طائرات ومدمرات مزودة بصواريخ موجهة وسفن دعم وإنزال.
لا يهدف هذا الانتشار إلى إغلاق المضيق بالكامل، بل إلى فرض سيطرة دقيقة على حركة السفن المرتبطة بالموانئ الإيرانية، في عملية أقرب إلى "خنق انتقائي" للتجارة الإيرانية بدلا من حصار شامل للممر الدولي.
تقنيا، يقوم الحصار على مراقبة دقيقة ومتعددة الطبقات لحركة الملاحة. تبدأ العملية من الفضاء، عبر أقمار صناعية تتابع مسارات السفن، مرورا بالطائرات المسيرة وأنظمة التتبع البحري المفتوحة، وصولا إلى الرادارات المحمولة على المدمرات. تتحول أي ناقلة تُصنّف على أنها متجهة إلى ميناء إيراني أو خارجة منه إلى "هدف مراقبة"، ما يضعها ضمن سلسلة إجراءات تبدأ بالرصد وتنتهي، في بعض الحالات، بالاحتجاز.
وعلى خلاف الحصارات التقليدية، لا تتمركز السفن الأميركية مباشرة قرب السواحل الإيرانية، بل تنتشر على جانبي المضيق، في الخليج العربي وبحر عُمان. يمنحها هذا التموضع قدرة على اعتراض السفن قبل وصولها إلى المياه الإيرانية أو بعدها، ويقلل في الوقت نفسه من خطر التعرض لهجمات مباشرة من الساحل.
كيف تتم عمليات الاعتراض ميدانيا؟
عند تنفيذ الاعتراض، تبدأ العملية بنداء عبر موجات الراديو البحرية، يُطلب خلاله من السفينة الكشف عن وجهتها وحمولتها وبيانات طاقمها.
في حال الامتثال، تُرسل فرق تفتيش، غالبا عبر زوارق سريعة أو مروحيات. أما في حال الرفض، فتدخل العملية مرحلة أكثر حساسية، حيث يمكن لقوات خاصة مثل "سيلز" تنفيذ إنزال سريع باستخدام الحبال من الجو.
لكن السيطرة على السفينة ليست نهاية العملية، بل بدايتها. إذ تواجه القوات الأميركية تحديات لوجستية وقانونية معقدة، تبدأ بتأمين طاقم لقيادة الناقلة في حال رفض طاقمها التعاون، ولا تنتهي بإيجاد مواقع مناسبة لاحتجازها. وتشير تجارب سابقة إلى أن هذه العمليات قد تستمر لفترات طويلة وتكلف ملايين الدولارات، خاصة مع الحاجة إلى التعامل مع الشحنات النفطية المحتجزة.
ويظهر التحدي الأكبر في التعامل مع ناقلات تابعة لقوى كبرى مثل الصين وروسيا. فالحصار، رغم تأكيد واشنطن أنه "يُطبق بشكل محايد"، يركز عمليا على السفن المرتبطة بالموانئ الإيرانية. لكن إذا كانت ناقلة صينية، على سبيل المثال، تحمل نفطا إيرانيا، فإن اعتراضها قد يفتح الباب أمام أزمة دبلوماسية أوسع، ما يجعل كل عملية بمثابة قرار سياسي بقدر ما هو عسكري.
مخاطر التصعيد.. إلى أين يقود الحصار؟
في المقابل، يُتوقع أن يتجنب جزء من "الأسطول الظل" الإيراني المواجهة، عبر التوقف المؤقت أو تغيير المسارات. لكن سفنا أخرى، خصوصا تلك التي ترفع العلم الإيراني، قد تحاول كسر الحصار، وربما تكون مرافقة بعناصر من الحرس الثوري، ما يزيد احتمالات الاحتكاك المباشر.
ورغم أن الحصار لا يستهدف إغلاق المضيق بالكامل، فإن البيئة العملياتية تبقى شديدة الخطورة. فالمضيق ضيق، والسواحل الإيرانية قريبة، ما يجعل السفن الأميركية ضمن مدى الصواريخ والزوارق السريعة والألغام البحرية. أي محاولة اعتراض قد تتحول سريعا إلى مواجهة، خاصة إذا قررت طهران اختبار حدود هذا الحصار.
اللافت أن هذه العملية تأتي بعد سنوات من التحفظ الأميركي على خيار الحصار البحري، بسبب كلفته العالية ومخاطره، إضافة إلى احتمال رد إيراني عبر استهداف ناقلات أو زرع ألغام، ما قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط عالميا.
اليوم، يبدو أن واشنطن اختارت هذا الخيار كأداة ضغط قصوى، تستهدف أحد آخر مصادر الدخل لإيران. لكن نجاحه لا يُقاس فقط بعدد السفن التي يتم اعتراضها، بل بمدى قدرته على تغيير سلوك طهران دون الانزلاق إلى مواجهة أوسع.





