بعدما اعتبر رئيس خلية الإعلام الأمني في العراق الفريق سعد معن، أن حسم ملف سلاح الفصائل المسلحة بات "مسألة وقت"، مشيرا إلى عدم وجود ما يعرقل استكمال هذا المسار، عاد الملف إلى الواجهة.
فقد أوضح معن، في حديث لصحيفة "الصباح" الحكومية نشر الأربعاء، أن الحوار والتنسيق مع الفصائل "متقدمان"، وأن أبرز ما يجري التفاهم عليه هو عدم تنفيذ أي اعتداء على دول المنطقة أو مناطق أخرى داخل العراق، بما فيها إقليم كردستان.
لكن حديث معن ذكر كلام رئيس الحكومة علي الزيدي قبل أيام مع صحيفة "نيويورك تايمز"، حينما حدد موعد 30 يونيو 2027 نهائياً لإنهاء العملية، بعد أن كان 30 سبتمبر.
هل تبخر الموعد؟
يستعد العراق في 30 سبتمبر للاحتفال بـ"يوم السيادة"، وهي عطلة وطنية جديدة تؤرخ لانسحاب آخر القوات الأميركية من البلاد بعد وجود استمر 23 عاماً. لكن اليوم الذي كان يُطرح طوال الأشهر الماضية باعتباره موعداً لنزع سلاح الفصائل الموالية لإيران، لن يشهد تسليم أسلحتها كما كان متوقعاً.
فبعد 4 أشهر فقط من توليه رئاسة الحكومة، أقر رئيس الوزراء علي الزيدي بصعوبة إنجاز هذا الملف المعقد ضمن المهلة السابقة، كاشفاً بدلاً منها عن خريطة طريق جديدة تمتد حتى منتصف عام 2027، وتبدأ بمرحلة تهدئة تستمر 90 يوماً قبل الانتقال إلى تسليم السلاح تدريجياً.
عن هذا أفادت لهيب هيجل، نائبة مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية، أن تبخر الموعد النهائي المحدد في 30 سبتمبر ليس مفاجئاً.
وأضافت لـARAB NEWS، أن أي شخص تابع أي نوع من عمليات نزع السلاح والتسريح والدمج في أي مكان في العالم يعلم أنها لا تحدث في تاريخ محدد إلا إذا قطعت شوطاً كبيراً في عملية التفاوض.
كما تابعت أن فكرة حدوث ذلك في ذلك اليوم كانت غير واقعية منذ البداية، ناهيك عن حقيقة أن هناك حفنة من الجماعات التي تعلن علنًا أنها لن تنزع سلاحها، مشددة على أن التعامل مع هذه الفئة بالذات قد يكون ممكناً من خلال اتفاقات منفردة، لكن المشكلة الرئيسية تكمن في عدد محدود من الفصائل التي ترفض التخلي عن السلاح، وفق تعبيرها.
وبحسب تقييمها، سيكون من الصعب إتمام العملية طالما بقيت إيران في حالة حرب مع الولايات المتحدة.
جاء هذا بعدما كشف رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي للمرة الأولى تفاصيل خريطة الطريق التي تريد بغداد من خلالها حصر السلاح بيد الدولة، محدداً 30 يونيو 2027 موعداً نهائياً لإنهاء العملية.
وتعني الخطة التي كشف عنها الزيدي في مقابلة مع صحيفة "نيويورك تايمز"، عملياً التخلي عن الموعد السابق الذي كان يضع نهاية سبتمبر الجاري سقفاً زمنياً لنزع سلاح الفصائل، بعد رفض عدد من أقوى الجماعات المسلحة الموالية لإيران التخلي عن أسلحتها.
وبدلاً من ذلك، سيكون 30 سبتمبر موعداً لإعلان جدول زمني تفصيلي للعملية، التي ستمتد على مراحل حتى منتصف العام المقبل.
90 يوماً بلا هجمات
تبدأ المرحلة الأولى، وفق الخطة التي عرضها الزيدي، بفترة تمتد 90 يوماً تلتزم خلالها الفصائل المسلحة بعدم شن أي هجمات.
وفي المقابل، تحصل هذه الجماعات على ضمانات بعدم تعرضها لهجمات من القوات الأميركية خلال الفترة نفسها.
وبعد انقضاء الأشهر الثلاثة تبدأ المرحلة الثانية، وفيها تشرع الفصائل بتسليم أسلحتها تدريجياً للدولة، وصولاً إلى إتمام العملية بالكامل بحلول 30 يونيو 2027.
لكن الخلاف حول الجدول الزمني لم يُحسم بعد، إذ تطالب الفصائل بمنحها مهلة أطول تمتد حتى نهاية عام 2027.
ماذا سيحدث للفصائل؟
لا تستهدف الخطة جمع السلاح فقط، بل إنهاء وجود الفصائل المسلحة بوصفها تشكيلات عسكرية مستقلة عن الدولة.
وبحسب الزيدي، فإنه مع اكتمال العملية سيتوقف وجود تلك الجماعات ككيانات مستقلة، على أن يتمكن أفرادها من الانضمام بصفتهم الفردية إلى قوات الحشد الشعبي والاندماج ضمن هياكلها الرسمية.
أما الجماعات التي ترفض الالتزام بالخطة وتستمر في العمل المسلح بصورة مستقلة بعد انتهاء المهلة، فقال الزيدي إنها ستُعتبر "خارجة عن القانون".
إلى ذلك، أظهر الزيدي لهجة حازمة عند الحديث عن الملف، مؤكداً أن حصر السلاح "ليس أمراً اختيارياً، بل ضرورة".
وأشار إلى أن مسؤولين عراقيين سبق أن طرحوا القضية قبل أن يتراجعوا عنها تحت تأثير الضغوط والمخاوف، لكنه اعتبر أن ملف السلاح، إلى جانب مكافحة الفساد، يمثل بالنسبة إليه "مسألة شرف".
وربط رئيس الوزراء العراقي بين حصر السلاح ومستقبل الاقتصاد العراقي وعلاقات بغداد الخارجية، قائلاً إن السيطرة على السلاح يجب أن تأتي أولاً حتى تتمكن البلاد من بناء اقتصاد قوي.
كما قال إن حكومته تريد بناء جسور وعلاقات اقتصادية مع دول العالم، وأن يتحول العراق إلى "نقطة التقاء لا نقطة عداء".
من سبتمبر إلى يونيو
بيد أن الخطة الأصلية كانت أكثر طموحاً. فمنذ توليه رئاسة الحكومة في مايو، ارتبط تاريخ 30 سبتمبر 2026 بنهاية الوجود العسكري الأميركي المتبقي في العراق، وبإنهاء المبرر الذي تستند إليه بعض الفصائل للاحتفاظ بسلاحها.
وفي يوليو، قال الزيدي خلال زيارة إلى واشنطن إنه اتخذ قراراً بشأن الملف ولن يتراجع عنه، وإنه بعد رحيل القوات الأميركية لن تبقى حاجة لوجود فصائل مسلحة.
لكن عدداً من الجماعات الموالية لإيران رفض الموعد، ما دفع بغداد لاحقاً إلى تعديل موقفها. وبدلاً من أن يكون 30 سبتمبر موعداً نهائياً لتسليم السلاح، أصبح الموعد الذي ستعلن فيه الحكومة الخريطة الزمنية التفصيلية للعملية.
وبحسب Arab News، فإن مستشار الأمن الشخصي للزيدي قاسم الأعرجي قال في 6 سبتمبر إن 3 جماعات كانت قد تخلت بالفعل عن أسلحتها، وهي سرايا السلام وعصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي.
في المقابل، لا تزال 5 جماعات في دائرة التفاوض، بينها حركة حزب الله النجباء وكتائب سيد الشهداء وكتائب حزب الله وسرايا أولياء الدم وأصحاب الكهف.
وتشير Arab News إلى أن الفصائل الأكثر ارتباطاً بالحرس الثوري الإيراني والأقل اعتماداً على العمل السياسي والانتخابي هي التي تمثل التحدي الأكبر أمام تنفيذ الخطة. وهذا توصيف يستند إلى تحليل أمني نقلته الصحيفة، وليس موقفاً رسمياً للحكومة العراقية.
ضغط أميركي
يذكر أن إعلان التفاصيل أتى أيضاً وسط ضغط أميركي واضح على بغداد للحد من نفوذ الجماعات المسلحة المرتبطة بطهران.
وعلى هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، التقى الزيدي وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو.
وبحسب الخارجية الأميركية، اتفق الجانبان على أهمية تفكيك الميليشيات التي تصنفها واشنطن إرهابية، ومنع تنفيذ هجمات من الأراضي العراقية، وتمكين بغداد من ممارسة سيادتها بصورة كاملة.
أما مكتب الزيدي فقال إن رئيس الوزراء أكد خلال اللقاء عزم حكومته على المضي في إجراءات حصر جميع الأسلحة بيد الدولة.
لكن التحدي الأكبر أمام الخطة قد لا يكون عراقياً بالكامل.فإيران تعتمد على عدد من الفصائل العراقية المتحالفة معها ضمن المواجهة الإقليمية مع الولايات المتحدة، فيما ترى بعض تلك الجماعات أن انسحاب القوات الأميركية من العراق لا يعني انتهاء مبررات احتفاظها بالسلاح طالما استمرت المواجهة بين طهران وواشنطن.





