قالت صحيفة فايننشال تايمز إن الصين تطور بشكل متسارع قدراتها العسكرية في الفضاء، في إطار سباق استراتيجي متصاعد مع الولايات المتحدة، حيث تكشف مناهج عسكرية وأبحاث مرتبطة بالجيش عن تصور واضح لكيفية خوض حرب مدارية تعتمد على السيطرة على الأقمار الصناعية وتعطيل أنظمة الخصم بل وحتى تنفيذ ضربات من الفضاء نحو الأرض.

وتشير هذه المعطيات إلى أن الفضاء لم يعد مجالا تقنيا أو علميا فقط، بل تحول إلى ساحة صراع عسكري متكاملة، إذ يرى خبراء صينيون أن السيطرة على الفضاء تعني التحكم في الأرض، بينما يحذر مسؤولون أميركيون من أن التطورات الصينية تقترب من مفهوم "دوغ فايت" في الفضاء، أي الاشتباك المباشر بين الأقمار الصناعية في المدار.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

عقيدة عسكرية تقوم على السيطرة من المدار

تكشف الوثائق أن التفكير العسكري الصيني يعتبر الفضاء مجالا حاسما للهيمنة، حيث كتب الخبير العسكري جيانغ ليانجو في أحد الكتب الدراسية أن "القدرة على التحكم في الأرض عبر السيطرة على الفضاء تمثل حافزا استراتيجيا وعسكريا قويا"، مضيفا أن تطوير قدرات الحرب الفضائية أصبح محورا أساسيا في سباق التسلح.

كما توضح المناهج أن العمليات الفضائية لا تقتصر على دعم القوات البرية والبحرية والجوية، بل تمثل أداة ردع استراتيجية تتفوق من حيث السرعة والمرونة، إذ يمكن للأصول الفضائية استهداف أي موقع على الأرض بقدرة قتالية عالمية.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

استهداف نقاط الضعف وشل الأنظمة

بحسب الباحث هوارد وانغ من مؤسسة راند البحثية، فإن جوهر الاستراتيجية الصينية يقوم على ضرب "العقد الأساسية" في أنظمة الخصم بهدف شل عملية اتخاذ القرار، بدءا من جمع البيانات ونقلها وصولا إلى تحليلها وتنفيذ الأوامر.

وتوضح الدراسات أن هذا النهج يعتمد على استهداف الأقمار الصناعية التي تشكل العمود الفقري للاتصالات والملاحة والأنظمة العسكرية، ما قد يؤدي إلى تعطيل شبكات كاملة تشمل الاقتصاد والبنية التحتية.

وفي هذا السياق، حذر الجنرال تشانس سالتزمان من أن الفضاء أصبح "مجالا للقتال وليس مجرد نشاط داعم"، مشيرا إلى أن استهداف الأقمار الصناعية قد يمنح الأفضلية للهجوم في أي مواجهة مستقبلية.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

تقنيات مزدوجة بين الخدمة والهجوم

تظهر الوثائق أن الصين تطور تقنيات فضائية ذات استخدام مزدوج، مثل الأقمار القادرة على الاقتراب من أقمار أخرى وفحصها أو تعطيلها، وهي عمليات وصفتها الولايات المتحدة بأنها أقرب إلى "الاشتباك المداري".

كما تشمل هذه القدرات أنظمة لالتقاط الأقمار وسحبها إلى مدارات بعيدة تعرف باسم "مدار المقبرة"، إضافة إلى استخدام أذرع آلية متعددة يمكنها الإمساك بأهداف متحركة، وهي تقنيات يمكن توظيفها في الصيانة أو الهجوم على حد سواء.

وتشير الأبحاث إلى تطوير أدوات أخرى مثل الليزر وأجهزة التشويش والهجمات السيبرانية، إلى جانب أسلحة مضادة للأقمار الصناعية يمكن إطلاقها من الأرض أو من الفضاء، ما يعكس تنوعا كبيرا في وسائل المواجهة.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

سيناريوهات الحرب من الردع إلى الضربات المباشرة

توضح الكتب العسكرية أن أي صراع فضائي سيمر بمراحل تبدأ بالردع عبر استعراض القدرات ونشر الأسلحة وإعادة تموضع الأقمار، ثم الانتقال إلى فرض حصار فضائي يشمل تعطيل أنظمة الخصم عبر التشويش والهجمات الإلكترونية أو حتى استهداف البنية التحتية الأرضية.

وفي حال التصعيد، تتحدث الدراسات عن عمليات هجومية تشمل تدمير الأقمار الصناعية أو تعطيلها باستخدام صواريخ عالية السرعة أو جسيمات معدنية أو حتى تحويل الحطام الفضائي إلى سلاح.

كما لا تستبعد هذه السيناريوهات تنفيذ ضربات من المدار نحو أهداف أرضية، حيث يشير الخبراء إلى أن المركبات الفضائية قد تصبح منصات هجومية قادرة على تنفيذ هجمات سريعة ثم الانسحاب، رغم أن بعض الباحثين مثل وانغ يرون أن هذا الخيار قد لا يكون أكثر فعالية من الأسلحة التقليدية بسبب تكلفته وتعقيده.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

سباق الأقمار الصناعية ومعركة "ستارلينك"

في ظل هذا التصعيد، يبرز الفضاء القريب من الأرض كساحة المنافسة الأهم، خاصة مع توسع شبكة "ستارلينك" التي أطلقت آلاف الأقمار الصناعية، ما دفع الصين إلى تسريع خططها لنشر عشرات الآلاف من الأقمار لتعزيز قدرتها على الصمود.

ويشير خبراء إلى أن الاعتماد على عدد كبير من الأقمار يهدف إلى تقليل تأثير الضربات، حيث يصبح من الصعب تعطيل النظام بالكامل، وهو ما يعكس انتقال الصراع من التفوق النوعي إلى التفوق الكمي.

وفي المقابل، تحذر دراسات غربية من أن التصورات الصينية قد تبالغ في تقدير قدرات الولايات المتحدة، ما قد يدفع بكين إلى الاستعداد لسيناريوهات أسوأ مما هو قائم فعليا، في وقت يؤكد فيه مسؤولون عسكريون أن أي خطأ في هذا المجال قد يؤدي إلى تصعيد سريع وغير محسوب في ساحة لم تشهد حربا مباشرة من قبل.