تعزّز طهران حماية منشآتها النووية، وتعيد بناء قدراتها الصاروخية، وتحشد أنصارها استعدادًا لاحتمال استئناف القتال، فيما تلوّح بتوسيع المواجهة لتشمل دول المنطقة.
وحذّر مسؤولون إيرانيون، علنًا وفي محادثات خاصة مع مسؤولين إقليميين، من أن طهران ستردّ بتصعيد إضافي في أنحاء الشرق الأوسط إذا شنّت الولايات المتحدة ضربات جديدة، بحسب وول ستريت جورنال.
وتُظهر صور الأقمار الاصطناعية أن إيران تعمل على تحصين مواقع حساسة، بينها منشآت نووية ومناطق حدودية، لزيادة قدرتها على الصمود أمام الهجمات.
وتدرك طهران محدودية قدرتها على التصدي لهجمات تنفذها مقاتلات أميركية متطورة أو قاذفات تحلّق على ارتفاعات شاهقة أو صواريخ كروز، ما يمنحها حافزًا لمحاولة ردع هذه الهجمات عبر التهديد بتوسيع نطاق المواجهة.
كما تخدم النبرة التصعيدية هدفًا آخر، يتمثل في صرف الانتباه عن التدهور الاقتصادي الذي يعانيه الإيرانيون، في ظل تشديد الولايات المتحدة العقوبات والضغط على شركات الطيران لوقف رحلاتها إلى إيران، ضمن مساعٍ لتكثيف الحصار المفروض عليها، بحسب الصحيفة.
فرصة للخروج من المأزق
وقالت سانام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مركز "تشاتام هاوس" للأبحاث في لندن، إن "الاستعداد للحرب يخدمهم جيدًا في الوقت الراهن، في ظل الجمود على جبهات عدة، دبلوماسيا واقتصاديا وسياسيا".
وأضافت أن اندلاع حرب جديدة قد يمنح إيران فرصة للخروج من المأزق الذي وجدت نفسها فيه.
واشنطن تعزّز وجودها.. وخيارات الضربات مطروحة
في المقابل، يستعد الجيش الأميركي لاحتمال العودة إلى القتال. وذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن مجموعة ثالثة لحاملات الطائرات، إلى جانب وحدة إضافية من قوات مشاة البحرية الأميركية، تتجهان إلى الشرق الأوسط.
وأضافت الصحيفة أن وزارة الدفاع الأميركية تدرس إرسال مزيد من منظومات الدفاع الجوي والذخائر إلى القواعد الأميركية في المنطقة.
ورغم أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب استبعد الأسبوع الماضي شنّ هجوم على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر، فإنه طرح علنًا احتمال استهداف منشأة "جبل الفأس" النووية الإيرانية، فيما قال مسؤولون أميركيون إن الجيش يعدّ مجموعة من الخيارات لتنفيذ ضربات جديدة.
وتعكس التحركات الإيرانية والأميركية لتعزيز القدرات القتالية أن أياً من الطرفين لا يبدو مستعدًا للتخلي عن المواجهة، رغم مرور أكثر من سبعة أشهر على اندلاع الحرب، في وقت لا تزال فيه المعادلة العسكرية عالقة إلى حد كبير.
تحصين المنشآت النووية
بالتوازي مع إعادة بناء القدرات العسكرية، عززت إيران إجراءات الحماية حول منشآتها النووية ومخابئها الأمنية.
ووفق صور أقمار اصطناعية التقطتها شركة "فانتور" وحلّلها معهد العلوم والأمن الدولي، وهو مركز أبحاث غير ربحي مقره واشنطن، أنشأت إيران خلال الشهر الماضي تحصينات دفاعية سلبية، بينها سواتر ترابية مؤقتة حول منشأتي "جبل الفأس" ونطنز النوويتين، بهدف إعاقة أي محاولة لشنّ هجوم بري عليهما.
وتسعى هذه الإجراءات إلى جعل المواقع الحساسة أكثر قدرة على الصمود أمام الهجمات، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على استعداد الطرفين لاحتمال استئناف العمليات العسكرية.
ويعمل المسؤولون الإيرانيون كذلك على إبراز استعداد البلاد للتعامل مع ظروف الحرب.
ففي نهاية سبتمبر، قال العميد غلام رضا جلالي، المسؤول عن خطط الطوارئ في إيران، إن المطارات والموانئ ومحطات الطاقة في البلاد "استعدت لظروف الحرب"، من خلال تجهيز الملاجئ وتوفير الإمدادات الاحتياطية لضمان استمرار عملها خلال الأزمات.
من رياض الأطفال إلى الشوارع
ولا تقتصر الاستعدادات الإيرانية على الجانب العسكري، بل تمتد إلى الداخل، حيث تكثّف السلطات حملات التعبئة الشعبية المؤيدة للنظام.
وتبث وسائل الإعلام الرسمية يوميًا مشاهد لتجمعات مؤيدة للحكومة، فيما يقول سكان إيرانيون إن أعداد المشاركين ازدادت خلال الأسابيع الأخيرة، كما امتدت التجمعات إلى مواقع جديدة.
وقال رجل دين متشدد شارك في المظاهرات إنه يتوقع استئناف الحرب وانتصار إيران فيها. وأضاف، في مقابلة، أن المسار الدبلوماسي لم ينجح، ولذلك لم يعد أمام بلاده خيار سوى القتال.
وفي شوارع طهران، تعرض لوحات إعلانية دورات تدريبية للمدنيين على استخدام الصواريخ المضادة للطائرات المحمولة على الكتف وبنادق القنص.


تدريب النساء على حرب العصابات؟
وفي الشهر الماضي، أعلن الحرس الثوري أنه درّب أولى وحداته من النساء المقاتلات على تكتيكات حرب العصابات واستخدام الأسلحة النارية وقيادة الطائرات المسيّرة، وفق مقاطع مصورة نشرها "فاتحين"، وهو أحد التشكيلات النخبوية التابعة لقوات الباسيج التطوعية.
وامتدت التعبئة إلى الأطفال أيضًا. ففي مدينة سبزوار شمال شرقي إيران، زارت وحدة من القوات البرية التابعة للحرس الثوري روضة أطفال، وروت للأطفال قصصًا عن المعارك التي شهدتها البلاد في وقت سابق من العام، كما عرضت صاروخ "توماهوك" أميركيًا قالت الوحدة إنها تمكنت من تحييده، وفق ما نشره الحساب الرسمي للقوات البرية للحرس الثوري على وسائل التواصل الاجتماعي.


ردع أميركا أم استعداد لحرب جديدة؟
تعكس هذه التحركات، وفق مراقبين، استعداد النظام الإيراني لاحتمال تجدّد المواجهة، مع محاولة رفع كلفة أي هجوم أميركي عبر التهديد بتوسيع الحرب لتشمل أهدافًا عسكرية واقتصادية في المنطقة.
وقال بهنام بن طالبُلو، المدير الأول لبرنامج إيران في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وهي مؤسسة بحثية في واشنطن، إن "كهران تستعد بنشاط للحرب المقبلة، قولًا وفعلًا".
وأضاف أن إجراءات النظام الإيراني تمثل، بهذا المعنى، مزيجًا من "الردع والتخطيط للحرب".





