تُعاين فرنسا الأحد، حجم الأضرار التي أصابتها بعد يوم من أعمال عنف ونهب وفوضى طالت باريس ومارسيليا وليموج، وغطّت على مشهد احتجاجي شارك فيه مئات الآلاف تنديدا بغلاء المعيشة، وذلك قبل 6 أشهر من الانتخابات الرئاسية.
وبحسب وصف صحيفة "لو باريزيان" ، بدت المشاهد في وسط باريس صادمة، بل تكاد تكون سريالية، غداة ليلة اتسمت بالعنف، مقدرة حجم الخسائر الأولية بمئات الملايين من اليورو بالإضافة إلى أضرار جسيمة لحقت بأكثر من 1500 منشأة تجارية، بحسب تقديرات رئيس اتحاد التجارة والتوزيع ألكسندر بومبار.
وقال في تصريح لقناة "إل سي آي" إنه "من السابق لأوانه بعض الشيء" تقييم حجم الأضرار، لكنه أشار إلى أن "1500 تاجر فرنسي تضرروا بشكل مباشر"، مؤكدا أن الكلفة ستكون "باهظة للغاية".
ففي الدائرة العاشرة، جنوب "بوابة سان دوني" (Porte Saint-Denis) وعلى طول شارع "سيباستوبول"، تعرضت عشرات المتاجر للتخريب، بينما لا تزال أكوام النفايات والدراجات الهوائية المحترقة تصدر دخاناً على الأرصفة. وفي الموقع، أكد عمال النظافة أن عملية التنظيف "ستستغرق أياماً" لإزالة آثار ما حدث.
مقابل هذا تعهدت الحكومة بالتعامل بحزم مع مثيري الشغب الذين اعتبرت أعمالهم أشد مما كانت عليه في احتجاجات العام 2023 واحتجاجات "السترات الصفراء" عامي 2018 و2019، وفق ما لاحظ مراسلو وكالة فرانس برس.
وبحسب ما أفاد وزير الداخلية لوران نونييز الأحد، أوقف أكثر من 1800 شخص خلال وبعد الاحتجاجات التي شهدتها فرنسا السبت وتخلّلتها أعمال نهب وحرق.
وقال نونييز في منشور على منصة إكس، "أُلقي القبض على 1800 شخص وتجري الآن تحقيقات لتحديد هوية مرتكبي هذه الأعمال حتى يتم تقديمهم إلى القضاء".
كلفة باهظة
ومساء السبت، حذر رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو من أن "الكلفة المالية للأضرار ستكون باهظة".
وعلى الرغم من أن احتجاجات يوم السبت بدأت بهدوء نسبياً في فترته الصباحية، إلا أن الأوضاع تدهورت سريعاً بحلول وقت متأخر من بعد الظهر، حيث اندلعت أعمال شغب في عدة مدن كبرى من باريس إلى مرسيليا، وبوردو، ونانت، وليون، وليموج، وسانت إتيان.
وفي محيط ساحة "فاندوم" وشارع "الشانزليزيه"، وقعت اشتباكات عنيفة بين محتجين ملثمين وقوات الشرطة التي استخدمت الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه. وصرح إيمانويل غريغوار، نائب عمدة باريس، بأن مرافق المدينة تعرضت للتدمير بشكل ممنهج، مما تسبب في أضرار جسيمة.
وحاول مثيرو الشغب اقتحام متجر غاليري لافاييت، وحطموا بنوكا ونهبوا متجر لاكوست ومتاجر أخرى، فضلا عن نهب متجر للهواتف المحمولة تابع لشركة إس.إف.آر. وأضرم المتظاهرون النار في أشياء طوال اليوم، بما في ذلك عدة سيارات.
وبحسب فرانس برس، يحرس عنصران من أفراد الأمن مع كلب مكمم واجهة متجر "دارتي" للأجهزة المنزلية التي تعرضت للتحطيم.
وأمام متجر مستحضرات التجميل "ماريونو" الذي تعرض للنهب في شارع لا ريبوبليك، لا تزال آثار التخريب بادية للعيان: واجهة محطمة، وعلب ممزقة ملقاة على الأرض، وحقائب وقطع ديكور ديست بالأقدام.
ولم يتوقف جرس الإنذار عن الدوي، إذ لم يأت أحد بعد لتأمين المتجر الذي ظلت واجهته مفتوحة على مصراعيها.
وقالت السلطات المحلية إن "شوارع بأكملها خُربت بشل منهجي".
ووفق "لو باريزيان" تأثر ما لا يقل عن 50 متجراً من سلسلة متاجر "كارفور"، وبلغت قيمة الأضرار "عدة ملايين من اليورو"، كما قال ألكسندر بومبار، الرئيس التنفيذي لمجموعة "كارفور".
في رسالة مفتوحة، أعلن عمدة باريس عن تشكيل فريق عمل طارئ مخصص لدعم الشركات المتضررة، يتولى تقييم الأضرار وتسهيل الإجراءات الإدارية وعمليات التأمين.
كما أعلن عن عقد اجتماع طارئ، في موعد أقصاه يوم غد الإثنين، يضم أصحاب الأعمال، والغرف التجارية، وشركات التأمين، والجهات الحكومية.
وكتب العمدة: "باريس مدينة للحريات والنقاشات والتظاهرات، ويجب أن تظل كذلك. لكن ينبغي أن تكون أيضاً مدينة يستطيع فيها الجميع العمل وممارسة أنشطتهم التجارية في ظل ظروف آمنة".
بدوره وفي بيان له، أدان غي غراس، رئيس الاتحاد الفرنسي لتجارة التجزئة، أعمال النهب والعنف بشدة، واصفاً ما تعرضت له المتاجر -التي تُعدّ "واجهة لفرنسا"- بأنه استهدافٌ يتكرر مجدداً، حيث بات قطاع التجزئة ضحيةً جانبيةً "للمخربين والساعين إلى الفوضى".
وطالب غراس الحكومة بتلبية ثلاثة مطالب:
- التفعيل العاجل لفريق العمل الوزاري المشترك المعني بأمن قطاع التجزئة،
- فرض حد أدنى للعقوبات على مرتكبي المخالفات المتكررة،
- تسهيل وصول تجار التجزئة إلى الأدوات الرقمية المخصصة للوقاية من هذه الأعمال.
وأفاد مراسلو فرانس برس في باريس بأن مجموعات صغيرة من الشبان كانت تنفذ عمليات النهب بطريقة منظمة، إذ عمد أفرادها، وهم يضعون أقنعة وقفازات، إلى تعطيل كاميرات المراقبة.
استهداف مبان عامة أيضا
وتعرضت مبانٍ عامة للتخريب، وكان الحدث الأبرز هو الحريق الذي طال مبنى بلدية "ليموج" -وهو مبنى يعود تاريخه إلى القرن التاسع عشر- حيث انهار برجه وجرسه في المساء.
كذلك اقتحم متظاهرون مبان بلدية في مرسيليا، وليل وبوردو وقاموا بتخريبها، وفق السلطات المحلية.
ماكرون يتعد بالمحاسبة
تعهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عبر منصة إكس بملاحقة ومعاقبة "كل من ارتكب أعمال تخريب أو اعتدى على مؤسسات أو شركات أو شارك في أعمال نهب"، فيما من المتوقع أن يوجه كلمة متلفزة مساء اليوم يتناول فيها آخر المستجدات .
وأثارت الاحتجاجات وما رافقها من أعمال شغب مواقف متباينة بين الأحزاب السياسية.
وقبل 6 أشهر من الانتخابات الرئاسية، ترتفع حدة المواجهة السياسية بين رئيس حزب "فرنسا الأبية" اليساري الراديكالي جان لوك ميلانشون وزعيمة اليمين المتطرف مارين لوبن، اللذين تشير استطلاعات رأي عدة إلى احتمال أن يتواجها في الدورة الثانية.
ففيما شارك ميلانشون في تظاهرة في باريس داعيا للابتعاد عن أعمال العنف والتخريب، أكدت لوبن، والتي تتصدر الاستطلاعات، أن حزبها "التجمع الوطني" يقف في صفّ الشرطة، معتبرة أن موقف اليسار "يُضفي الشرعية على العنف" ويدفع البلاد نحو الفوضى.
وعلى مدى شهر، خرج الطلاب إلى الشوارع في أكثر من 40 مدينة فرنسية، احتجاجاً على ما يصفونه بنقص التمويل في نظام التعليم. وقد انضم إليهم في عطلة نهاية الأسبوع نشطاء من حركة "السترات الصفراء" وعمالٌ أعربوا عن غضبهم إزاء ارتفاع تكاليف الوقود والمواد الغذائية وغيرها من الضروريات.
ويدخل ماكرون، المرحلة الأخيرة من ولايته الرئاسية وسط مشهد سياسي متشرذم وضغوط متزايدة بشأن الاقتصاد.
ولم تنجح مساعي فرنسا لخفض الدين العام في طمأنة المستثمرين، مما دفع تكاليف اقتراض الحكومة إلى أعلى مستوياتها في أكثر من عقدين.





