في خضم التصعيد العسكري في المنطقة، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي استراتيجي يمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية، بل تحول إلى أداة ضغط اقتصادي وسياسي تستخدمها إيران لإعادة تشكيل قواعد اللعبة في المنطقة.

في هذا الشأن، أعلن الحرس الثوري الإيراني أنه يستكمل التحضيرات لفرض "نظام جديد" للملاحة عبر مضيق هرمز، الذي بات مغلقا بالكامل تقريبا منذ اندلاع الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بحسب وكالة فرانس برس.

وأفادت قواته البحرية أن التحضيرات العملياتية لهذا النظام دخلت مراحل متقدمة، محذرة من أن الظروف في المضيق "لن تعود قط إلى وضعها السابق"، خصوصا بالنسبة لواشنطن وتل أبيب.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

إيران ترفض فتح المضيق

وتبادلت إيران وإسرائيل الهجمات، الثلاثاء، في الوقت الذي رفضت فيه طهران بتحد إعادة فتح مضيق هرمز وقبول اتفاق لوقف إطلاق النار قبيل الموعد النهائي الذي حدده الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتوافق على مطالبه أو "يمحوها".

وذكر مصدر مطلع على الخطة أن إيران ترفض اقتراحا أميركيا توسطت فيه باكستان لوقف إطلاق النار على الفور ووقف الإغلاق الفعلي الذي تفرضه على المضيق، ثم إجراء محادثات حول تسوية سلمية أوسع نطاقا خلال فترة تتراوح بين 15 و20 يوما.

وذكرت وكالة إرنا أن الرد الإيراني تضمن 10 بنود، شملت إنهاء الصراعات في المنطقة ووضع بروتوكول للمرور الآمن عبر مضيق هرمز ورفع العقوبات وإعادة الإعمار.

من جهتها، نقلت صحيفة نيويورك تايمز عن مسؤولَين إيرانيَين طلبا عدم كشف هويتهما، أن طهران تطالب، من بين أمور أخرى، بفرض رسوم مرور عبر هرمز مقدارها مليوني دولار لكل سفينة يتم تقاسمها مع سلطنة عُمان، الواقعة على الجانب الآخر من الممر المائي.

وبينما تراقب الأسواق العالمية أي اضطراب في هذا الشريان الحيوي، ذكرت صحيفة إلموندو أن طهران بدأت فعليا بفرض رسوم عبور على السفن، في خطوة غير مسبوقة تعيد طرح أسئلة قانونية عميقة حول حرية الملاحة وحدود سلطة الدول الساحلية في أوقات النزاع.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

آلية الرسوم الإيرانية

بحسب تقرير إلموندو، أنشأت إيران ما يشبه نقطة جمركية داخل مضيق هرمز، حيث يُطلب من ناقلات النفط والسفن التجارية دفع نحو مليوني دولار مقابل السماح لها بالمرور.

ويتم ذلك عبر اقتراب زوارق إيرانية من السفن بين جزيرتي لارك وقشم، حيث يتم التحقق من الدفع قبل السماح لها بمواصلة الإبحار بمحاذاة الساحل الإيراني.

بحسب الصحيفة، لم يعد المرور في المضيق مفتوحا بشكل كامل، بل أصبح انتقائيا ويعتمد على الدفع، ما يعني أن إيران حولت الممر البحري إلى أداة اقتصادية مباشرة ضمن سياق الحرب.

كما أن هذه الرسوم تتم غالبا باليوان الصيني، في محاولة لتجاوز النظام المالي الغربي وتقليل الاعتماد على الدولار، ما يخفف على إيران من آثار العقوبات المالية ويحد من مخاطر تعقب المعاملات أو تجميدها عبر النظام المصرفي الدولي.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

الإطار القانوني وحق المرور العابر

يوضح الدكتور ناصر الشيرمان، أستاذ القانون التجاري والبحري في الجامعة الأميركية في الإمارات، لمنصة بلينكس أن مضيق هرمز يخضع لنظام قانوني واضح في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يقوم على مبدأ "المرور العابر".

ويشرح أن الإتفاقية "تنص على أن المضائق التي تصل بين جزء من أعالي البحار أو المنطقة الاقتصادية الخالصة وجزء آخر تخضع لنظام قانوني خاص يُعرف بنظام المرور العابر، وهو نظام يمنح جميع السفن حق المرور المستمر والسريع عبر هذه المضائق دون عرقلة، بما يضمن التدفق غير المنقطع للملاحة البحرية الدولية".

ويضيف الشيرمان "أن في الوقت نفسه، لا يحرم هذا النظام الدول الساحلية من أي دور تنظيمي فيما يتعلق بالمضيق الواقع ضمن مياهها الإقليمية، إذ تمنحها الاتفاقية صلاحيات محدودة لتنظيم الملاحة وضمان السلامة البحرية، غير أن ممارسة هذه الصلاحيات تبقى خاضعة لقيود واضحة، أبرزها عدم التمييز بين السفن وعدم اتخاذ إجراءات تعرقل أو تقيد حق المرور العابر".

ويشير الخبير إلى أن من بين هذه الأدوار التنظيمية تقديم المساعدة الملاحية وضمان سلامة المرور، ما يعني أن الدول الساحلية مطالبة أيضا بتوفير خدمات الإرشاد والملاحة للسفن العابرة.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

الرسوم بين الحظر القانوني والتبرير الإيراني

يؤكد الشيرمان أن القانون الدولي يحظر فرض رسوم على المرور بحد ذاته، لكنه يفتح بابا محدودا لفرض رسوم مقابل خدمات فعلية.

ويوضح مضيفا: "فيما يتعلق بفرض الرسوم على السفن العابرة للمضائق الدولية، فقد حسمت الاتفاقية هذا الأمر بوضوح، إذ لا يجوز للدول الساحلية فرض رسوم أو ضرائب على السفن لمجرد عبورها المضيق، ولا يُسمح بفرض رسوم إلا مقابل خدمات محددة تُقدم فعليا للسفن، مثل خدمات الإرشاد الملاحي أو المساعدة في الملاحة".

في هذا الإطار، قد تطرح إيران فرض رسوم تصل إلى مليوني دولار باعتباره مقابلا لخدمات ملاحية تقدمها في ظل الظروف العسكرية الراهنة، مثل إرشاد السفن إلى ممرات أكثر أمانا أو مساعدتها على تفادي الألغام البحرية المنتشرة في بعض أجزاء المضيق.

إلا أن هذا الطرح يظل موضع نقاش قانوني، إذ تشترط القواعد الدولية أن تكون أي رسوم مرتبطة مباشرة بالخدمة المقدمة، وأن تُفرض دون تمييز، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت هذه المبالغ تعكس خدمات فعلية أم تُستخدم كأداة ضغط سياسي واقتصادي.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

ضغوط أميركية ومهلة حاسمة

في الوقت الذي ترفض فيه طهران إعادة فتح مضيق هرمز وتدرس فرض "نظام جديد" للملاحة، صعدت واشنطن لهجتها، إذ هدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرب منشآت الطاقة والجسور في إيران إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق يعيد فتح المضيق.

وحدد مهلة نهائية مساء الثلاثاء للتوصل إلى صفقة، معتبرا أن استمرار إغلاق المضيق غير مقبول نظرا لأهميته لإمدادات الطاقة العالمية، بحسب CNBC.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

وتأتي هذه التهديدات في ظل استمرار الضربات الجوية في المنطقة، بعد أكثر من خمسة أسابيع من الحرب التي أدت إلى ارتفاع أسعار النفط وتضرر اقتصادات عدة.

ممر حيوي

حومت أسعار النفط حول 110 دولارات للبرميل الثلاثاء مع اقتراب الموعد النهائي الذي حدده ترامب وضآلة احتمالات إعادة فتح مضيق هرمز، وهو ممر حيوي لنقل إمدادات النفط العالمية أدى إغلاقه شبه الكامل إلى إثارة مخاوف من التضخم في شتى أنحاء العالم.

وأغلقت إيران فعليا المضيق، الذي كان يمر منه نحو خمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي العالمية، والذي أثبت أنه ورقة تفاوض قوية لدى طهران وهي مترددة في التخلي عنها.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

من يعبر ومن يُمنع.. خريطة الملاحة في هرمز

رغم الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز، تظهر المعطيات أن العبور لم يتوقف تماما، بل أصبح انتقائيا ومشروطا.

سمحت إيران بمرور عدد محدود من السفن المرتبطة بدول تعتبرها "صديقة".

في هذا السياق، عبرت عدة ناقلات مرتبطة بشركات يابانية المضيق، من بينها ناقلة الغاز "غرين آشا"، إضافة إلى سفن أخرى مثل "غرين سانفي" و"سوهار"، في مؤشر على استمرار تدفق محدود للطاقة عبر مسارات خاضعة للرقابة الإيرانية.

كما تمكنت ناقلة تركية "أوشن ثاندر" من العبور بعد تنسيق دبلوماسي، في حين لا تزال سفن أخرى تنتظر الإذن.

في المقابل، اختارت بعض الدول تجنب المضيق بالكامل، إذ أعلنت كوريا الجنوبية اعتماد مسارات بديلة عبر البحر الأحمر لتأمين وارداتها النفطية، في خطوة تعكس حجم المخاطر المرتبطة بالممر.

وتشير هذه التطورات إلى أن هرمز لم يعد ممرا مفتوحا كما في السابق، بل تحول إلى أداة ضغط تستخدمها طهران للتحكم في حركة الطاقة العالمية، عبر السماح الانتقائي بالعبور وفرض مسارات محددة تمر قرب مياهها الإقليمية.