منذ مطلع أكتوبر الحالي تشهد فرنسا تصاعدا خطيرا للحراك الطلابي الذي تحول من احتجاج لوجستي إلى مواجهة سياسية مفتوحة.

هذه الأزمة العنيفة، التي أدت إلى إغلاق ما بين اربعمئة إلى خمسمئة مدرسة ثانوية كليا أو جزئيا، تجاوزت حدود الهتافات المطلبية لتسجل حصيلة مادية وبشرية غير مسبوقة تضع الحكومة والمعارضة وجها لوجه قبل سبعة أشهر فقط من الانتخابات الرئاسية المقررة في مايو ٢٠٢٧.

الفاتورة الباهظة والخسائر المادية والبشرية للفوضى الحالية لم يعد الحراك مجرد إضراب سلمي، إنما اتخذ طابع العنف الشديد الذي كبد الدولة والبلديات خسائر جسيمة.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

ما الذي يميز هذا الحراك الطالبي عما سبقه؟

المقارنة التاريخية الشاملة بين حراك ٢٠٢٦ والانتفاضات الطالبية السابقة في الثمانينيات والتسعينيات ومايو ١٩٦٨ تظهر فروقا جوهرية في طبيعة المطالب والأدوات وسلوك الشارع.

خلال انتفاضة مايو ١٩٦٨ الشهيرة، في ظل حكم الرئيس شارل ديغول، كان الحراك ثورة أيديولوجية وفلسفية بامتياز قادها طلاب الجامعات والنخب الفكرية في الحي اللاتيني للمطالبة بالتحرر الاجتماعي الشامل وإسقاط القيم الرأسمالية والتقليدية المحافظة ورفض النظام الأبوي للدولة الفرنسية، بينما يفتقر حراك أكتوبر الحالي لأي عمق عقائدي أو فلسفي، حيث يدور بالكامل حول مطالب بقاء مادية ولوجستية يومية ملموسة.

في المقابل، يبدو حراك ٢٠٢٦ أكثر شبها من حيث العناوين بحراك خريف العام ١٩٩٠ وحراك العام ١٩٩٨ حين نزل تلاميذ الثانويات إلى الشوارع بعشرات الآلاف احتجاجا على المدارس المتهالكة ونقص المعلمين والصفوف المزدحمة ونجحوا وقتها في إجبار الرئيس فرانسوا ميتران على استقبالهم وضخ الأموال من ضمن خطة طوارئ.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

مواقع التواصل تحرّك تظاهرات ٢٠٢٦

كانت تظاهرات الثمانينيات والتسعينيات تدار عبر منشورات ورقية وتنسيقيات منتخبة وجمعيات عمومية تقودها نقابات طالبية منضبطة تركز على التظاهر السلمي في مراكز المدن والساحات الكبرى لحماية المدارس.

أما حراك ٢٠٢٦ فهو حراك أفقي تماما، بلا قيادة هيكلية أو متحدث رسمي، ويتم توجيهه بالكامل عبر خوارزميات تطبيقات الهواتف مثل تيك توك وسناب شات، حيث تنتشر مقاطع حرق الحاويات والمواجهات لتتحول إلى تحديات رقمية رائجة تنتقل من ضاحية إلى أخرى في دقائق معدودة.

هذا التحول الرقمي جعل الحراك يخرج من تلاميذ الثانويات القاصرين في الضواحي بدلا من الجامعات، واتخذ العنف شكلا تخريبيا غير مسبوق في تاريخ الحركات الطالبية الفرنسية.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

٢٤ مدرسة تعرضت للحرق والتخريب والنهب حتى الآن

السلطات أعلنت أن اربع وعشرين مدرسة ثانوية تعرضت للحرق العمد أو التخريب والنهب الكامل في مختلف أنحاء البلاد

وشملت الأضرار تدمير قاعات التدريس والمختبرات والواجهات الزجاجية وحرق شاحنات وحاويات نفايات في محيط المدارس لتشكيل حواجز مشتعلة

وتجاوز الحراك لغة القانون مسجلا إصابة ما لا يقل عن ٣١٨ شخصا من بينهم ١٧٠ تلميذا و٦٥ موظفا ومعلما في قطاع التعليم وثلاثة و٨٠ عنصرا من قوات الأمن.

كما بلغت الاعتقالات رقما قياسيا بتوقيف أكثر من ٥ آلاف شخص معظمهم من التلاميذ القاصرين.

وردا على هذه الفوضى أعلنت المتحدثة باسم الحكومة عزم مجلس الشيوخ مناقشة مشروع قانون في ٢٧ من الشهر الحالي لفرض عقوبات مالية مباشرة على من قام بأعمال تخريبية، أو أولياء أمور القاصرين منهم، لتحمل كلفة ترميم المدارس.

Image 1

من المستفيد؟

على قاعدة مصائب قوم عند قوم فوائد، تحولت هذه الفوضى إلى مادة دسمة لإنعاش الحملات الانتخابية المبكرة، وتتوزع الاستفادة والتوظيف السياسي بين قطبي المعارضة.

ويعتبر حزب أقصى اليمين "التجمع الوطني" بقيادة مارين لوبان ومعها جوردان بارديلا المستفيد الأكبر على المدى القصير والاستراتيجي من المشاهد المنتشرة في الشوارع. يغذي العنف الطالبي وحرق المدارس والاعتداء على رجال الشرطة الخطاب الأمني الذي يتبناه اليمين المتطرف تاريخيا.

Image 1

أقصى اليمين يدعو الدولة إلى الضرب بيد من حديد

تستغل مارين لوبان هذه الصور لترسيخ فكرتها القائلة بأن فرنسا تعيش حال انفلات أمني عام وفقدانا لسطوة الدولة تحت حكم الرئيس إيمانويل ماكرون.

بالنسبة لليمينيين، المتظاهرون هم مخربون وقاصرون خارجون عن السيطرة يجب قمعهم بيد من حديد، وهو خطاب يلقى صدى واسعا لدى الغالبية الصامتة من الآباء والطبقات الوسطى القلقة على سلامة أبنائها وعلى ممتلكاتها.

أقصى اليسار يرفع شعار الدفاع عن المدرسة الرسمية

في المقابل، يستفيد اليسار الراديكالي خصوصا حزب "فرنسا الأبيّة" بقيادة جان لوك ميلونشون من الحراك شعبيا ونقابيا عبر تبني معركة الدفاع عن المدرسة الرسمية.

يرى اليسار في غضب التلاميذ فرصة لإثبات أن سياسات ماكرون الاقتصادية والتقشفية أدت إلى تدمير المرافق العامة وبخاصة قطاع التعليم.

يستثمر اليسار في مطالب الشباب كرفض نظام "باركور سوب" الرقمي للتوجيه والمطالبة بتوظيف المعلمين وتحسين بيئة الصفوف المكتظ.

كما يركز اليسار على عنف الشرطة مستشهدا بحوادث مروعة كإصابة تلميذ بعمر أربعة عشر عاما بجروح بليغة في وجهه بطلقة غاز مسيل للدموع ليرسم صورة لحكومة تقمع الطفولة للتغطية على فشلها الاجتماعي.

Image 1

أزمة أكتوبر قسمت الأحزاب إلى معسكرين

الخارطة السياسية إزاء أزمة قسمت الأحزاب الفرنسية إلى معسكرين واضحين في استغلال الأزمة الحالية.

تتهم الحكومة وحزب الرئيس المعارضة اليسارية بالتحريض المباشر على العنف، وصرّح رئيس الوزراء سيباستيان لو كورنو بأن حزب "فرنسا الأبية" يقوم "باستغلال سياسي رخيص وعار لعقول القصر بهدف إشعال البلاد وصنع مايو ٧٨ جديد لغايات انتخابية"، وترى الحكومة أن الأولوية القصوى الحالية هي إعادة فرض النظام قبل أي حوار.

ويدعم اليسار حراك التلاميذ ويدعو النقابات العمالية والتعليمية إلى مرافقتهم في إضراباتهم وموقفهم يركز على تبرير الغضب حيث يعتبرون أن إحراق حاوية نفايات هو نتيجة حتمية لإهمال مباني المدارس التي تصل حرارتها ٣٥ درجة مع نقص في المعلمين، ويتهم جان لوك ميلونشون الحكومة بممارسة "إرهاب الدولة الرقمي" عبر إفراغ المدارس وتحويل الطلاب قسرا إلى التعليم عن بُعد، لإجهاض حقهم الدستوري في الاحتجاج والتظاهر.

Image 1

ويقف اليمين المتطرف في منطقة الهجوم المزدوج فهو يهاجم الطلاب المخربين ويطالب بإنزل أقصى العقوبات على أهاليهم وحرمانهم من المساعدات العائلية، وفي الوقت ذاته يهاجم حكومة لو كورنو واصفا إياها بالعاجزة عن حماية مؤسسات الجمهورية، ويطرح اليمين المتطرف نفسه كبديل قادر على إعادة الانضباط وهيبة الدولة والزي الموحد للمدارس معتبرا أن ما يحدث هو النتيجة المباشرة لعشرة أعوام من التراخي الليبرالي لماكرون والتساهل مع الهجرة وضواحي المدن الكبرى.

وتعيش فرنسا مأزقا يتغذى فيه التطرفان، فاليسار يستمد قوته من الشارع الغاضب والمطالب الاجتماعية العادلة للتلاميذ بينما يحصد أقصى اليمين ثمار الخوف من الفوضى ومقاطع حرق المدارس على تطبيق تيك توك وهو ما يجعل الانتخابات الرئاسية المقبلة، واحدة من أخطر المنعطفات في تاريخ الجمهورية الخامسة.